« وَعِبادُ الرَّحْمنِ الَّذِينَ يَمْشُونَ عَلَى الْأَرْضِ هَوْناً وَإِذا خاطَبَهُمُ الْجاهِلُونَ قالُوا سَلاماً »
الآية .
فهم يمشون على الأرض بأجسادهم ، ونفوسهم متعلقة بالمحل الأعلى . ذلك أنهم لما عرفوه ، تركوا كل شيء سواه ، واشتغلوا به وبذكره ، وأحسنوا ، إن اللّه لمع المحسنين
« ما عَلَى الْمُحْسِنِينَ مِنْ سَبِيلٍ . »
وسئل النبيّ ، عليه السلام :
ما هذا الإحسان ؟ فقال : « أن تعبد اللّه كأنك تراه ، فإن لم تكن تراه ، فإنه يراك » كيف لا يراه أولياء اللّه ، ولا يشاهده أصفياؤه ، وهم معتقدون متحقّقون بقوله :
« ما يَكُونُ مِنْ نَجْوى ثَلاثَةٍ إِلَّا هُوَ رابِعُهُمْ وَلا خَمْسَةٍ إِلَّا هُوَ سادِسُهُمْ »
الآية . وبقوله :
« وَلَقَدْ خَلَقْنَا الْإِنْسانَ وَنَعْلَمُ ما تُوَسْوِسُ بِهِ نَفْسُهُ وَنَحْنُ أَقْرَبُ إِلَيْهِ مِنْ حَبْلِ الْوَرِيدِ »
وقوله :
« وَاصْبِرْ لِحُكْمِ رَبِّكَ فَإِنَّكَ بِأَعْيُنِنا »
وقوله :
« إِنَّنِي مَعَكُما أَسْمَعُ وَأَرى »
وقوله :
« وَهُوَ مَعَكُمْ أَيْنَ ما كُنْتُمْ »
.
فصل
ثم اعلم أنه ليس من لذّة النفوس ، ولا سرور الأرواح ، ولا فرح القلوب ، ألذّ وأروح من روح نور تردّ اليقين في قلوب أولياء اللّه بما وعدهم من يوم يلقونه من نعيم الجنان ، وما يرجونه من نيل الثواب وجزيل العطاء من الآخرة ، وما يجدونه في نفوسهم من شدة الشوق إلى رؤيته لشدة محبتهم إياه وكثرة ذكرهم إحسانه ، كما قيل : جبلت القلوب على حبّ من أحسن إليها وبغض من أساء إليها . وقال :
« وَالَّذِينَ آمَنُوا أَشَدُّ حُبًّا لِلَّهِ »
. وقد وبّخ اللّه من يحبّ غيره وذمّهم بقوله :
« وَمِنَ النَّاسِ مَنْ يَتَّخِذُ مِنْ دُونِ اللَّهِ أَنْداداً يُحِبُّونَهُمْ كَحُبِّ اللَّهِ وَالَّذِينَ آمَنُوا أَشَدُّ حُبًّا لِلَّهِ »
.
ثم اعلم أن هذه اللذة التي وصفنا أن قلوب أولياء اللّه تجدها في دار الدنيا ، إنما هي ثمرة بعض سعيهم ، ومقدّمة بعض ثواب أعمالهم ، عجّلت لهم في الدنيا ،