فصل
واعلم يا أخي أن حسن الخلق ، والسّيرة العادلة هما من أخلاق الملائكة ، ولكن بعضها في جبلة النفوس مركوزة فيها ، وبعضها عادة جارية معتادة ، وهكذا أيضا حكم الخلق السّوء والسيرة الجائرة هما من أخلاق الشياطين ، بعضها جبلة مركوزة في النفس ، وبعضها عادة جارية ، وهي التي نشأ عليها الصبيان من الصّغر يتربّون من الصبى عليها ، أو يأخذها الناس ممن يصحبه ويتربى معه من الآباء والأمهات والإخوة والأخوات والجيران والمعلّمين والأستاذين .
واعلم أنه ربما لا يتفق للإنسان هذه الأمور المحمودة من الصّغر على حسب ما ينبغي ، ولكن يجب على العاقل أن يتفقد أحواله وأخلاقه وسيرته وعاداته واعتقاداته ، ويستبصر ، فيترك ما كان فاسدا رديئا ، ولا يتكلم على العادات الجارية ، ولا يحتج بالطبع المركوز ، بل يجتهد وينظر ويميز ويبحث ، فإن اللّه تعالى ما بعث الحكماء والرسل والأنبياء إلّا لإصلاح الأمور الفاسدة النابتة مع الطبائع الرديئة والعادات الجارية . وقد ذكر العلماء والحكماء في كتب السياسات أنه ينبغي لكل إنسان أولا أن يبتدئ بإصلاح أخلاق نفسه وعاداته ، فإذا عدّلها واستوت ، فعند ذلك رام أن يصلح غيره . وقال ، عليه السلام : « كلّكم راع وكلّكم مسؤول عن رعيّته » . وقال تعالى :
« يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا عَلَيْكُمْ أَنْفُسَكُمْ »
.
ثم اعلم أن أكثر الناس قد تركوا وصية ربهم ونصيحة نبيهم فيما أمرهم به من إصلاح ذات بينهم ، وما فيه نجاة نفوسهم من العذاب الأليم بما رسمه لهم من التعاون والتعاضد والتناصر والتحابّ والتودّد والألفة فيما بينهم ، واشتغلوا بما نهوا عنه من ذكر عيوب بعضهم بعضا ، وشنعة بعضهم على بعض ، وصاروا فرقا ومذاهب وشيعا ، وتوقدت بينهم نيران العداوة والبغضاء إلى