تخطي إلى المحتوى الرئيسي

رسائل إخوان الصفاء وخلان الوفاء — صفحة 532

مساهمون:

ص٥٣٢
ثم اعلم أن نفوس الجهال كلّها موتى بالقياس إلى نفوس العلماء ، وذلك أن قلوب العلماء مفتوحة ، وصدورهم منشرحة متسعة ، ممتلئة من نور الهدى ، وروح المعارف ، وزهرة العلوم . وقلوب الجهال حرجة منغلقة ، وصدورهم ، من الوسواس والخيالات ، ضيّقة مظلمة ، وأوهامهم هائمة ، وأفكارهم تائهة في ظلمات الجهالات المتراكمة ، ونفوسهم ممتلئة من الوساوس والخيالات ، كما قال اللّه تعالى في عدّة آيات من القرآن ، مثل قوله :
« فَمَنْ يُرِدِ اللَّهُ أَنْ يَهْدِيَهُ يَشْرَحْ صَدْرَهُ لِلْإِسْلامِ »
إلى قوله :
« الَّذِينَ لا يُؤْمِنُونَ . »
ومثل قوله :
« مَثَلُ نُورِهِ كَمِشْكاةٍ فِيها مِصْباحٌ »
إلى آخر الآية . أو :
« كَظُلُماتٍ فِي بَحْرٍ لُجِّيٍّ يَغْشاهُ مَوْجٌ مِنْ فَوْقِهِ مَوْجٌ مِنْ فَوْقِهِ سَحابٌ ظُلُماتٌ بَعْضُها فَوْقَ بَعْضٍ إِذا أَخْرَجَ يَدَهُ لَمْ يَكَدْ يَراها وَمَنْ لَمْ يَجْعَلِ اللَّهُ لَهُ نُوراً فَما لَهُ مِنْ نُورٍ » .
واعلم أن حياة النفوس ويقظتها هي المعارف والعلوم ، كما أن حياة الأجساد ويقظتها بالحس والحركة ، وأن لكل جنس من الحيوانات ضروبا من المأكولات هي غذاء لأجسادها ، من نبات الأرض وثمار الشجر وأوراقها ، تشتهيها بطباعها ، وتلتذ بها بنفوسها ، كلّ ذلك بحسب امتزاجها ، وتركيب أجسادها وعاداتها في تناولها . وهكذا أيضا حكم شهوات النفوس ولذاتها في مأكولاتها ومشروباتها ، واختلاف ألوانها وفنون طعومها ، تشتهي هذا وتلتذ هذا بما لا يلتذّ به هذا ، وتشتهي وتلتذ في وقت ، ولا تشتهي في وقت آخر ، بل تكرهه وينفر طبعها منه ويتأذى . وهكذا حكم لذاتها وشهواتها في المعارف والعلوم والصنائع والتجارات والأعمال والحرف وتصاريفهم في الأمور ، وذلك أن من الناس من تكون نفسه مطبوعة على محبة الصنائع والحرف في تعليمها مشتهيا لها مستلذّا بها . ومنهم من يكون مطبوعا على محبة التّجارات والبيع والشراء ، مشتهيا لذلك ، ملتذّة به نفسه . ومنهم من تكون شهواته وعشقه في جمع المال والأثاث