تخطي إلى المحتوى الرئيسي

رسائل إخوان الصفاء وخلان الوفاء — صفحة 528

مساهمون:

ص٥٢٨
الرحمة ، وشدّة القساوة ، تعالى اللّه عن ذلك علوّا كبيرا . ومن الآراء الفاسدة أيضا أنه يرى بأن أهل الجنة أجسادهم لحمية ، وأجسامهم طبيعية مثل أجساد أبناء الدنيا ، قابلة للتغيير والاستحالة ، متعرّضة للآفات . فإذا تأمّل ما وصف اللّه تعالى في صفات أهل الجنّة ، لا يمسّهم فيها نصب ، ولا يذوقون فيها الموت إلّا الموتة الأولى ، وأنهم خالدون ، وما شاكل هذه الأوصاف المذكورة في القرآن التي لا تليق بالأجساد اللّحميّة والأجسام الطبيعية . واعلم أنه لا يليق بالعقلاء أن يعتقدوها ، فضلا عن عقول الحكماء ، بل النساء والجهّال والصبيان جيّد لهم ، فإن هذا الرأي يليق بأفهامهم ، ويصلح لهم ، ويقرّب من عقولهم ما وعدوا به ويوعدون من نعيم الجنان ، ورهبتهم من عذاب النيران ، ويزيدهم خوفا من سوء أفعالهم فيتركونها ، ويقوى رجاؤهم لثواب أعمالهم . وعليكم بدين العجائز لائق في هذا المقام لا في مقام آخر . وأما من رزقه اللّه قليلا من التمييز والعقل والفهم ، ونظر في علوم الحكمة ، فإن هذا الرأي لا يصلح له ولا يليق به ، لأنه إذا عرضه على عقله ، أنكره عليه ، فيقع عند ذلك في شكّ وحيرة وسوء ظن وتخيّلات فاسدة . ثم اعلم أن أسوأ الناس مذهبا ، وأشنعهم رأيا ، من يعتقد أمرا ، ويكون عقله منكرا عليه ، ونفسه مرتابة ، وظنه سيئا بربه ، كما قال :
« ذلِكُمْ ظَنُّكُمُ الَّذِي ظَنَنْتُمْ بِرَبِّكُمْ أَرْداكُمْ فَأَصْبَحْتُمْ مِنَ الْخاسِرِينَ »
الآية . ومن الآراء الفاسدة من يعتقد أن اللّه خلق خلقا وربّاه وأنماه وأنشأه وسلّطه وقوّاه على عباده متمكّنا في بلاده ، ثم ناصبه بالعداوة والبغضاء ، وهو إبليس وجنوده من الشياطين ، وهم يفعلون ما يريدون على رغم منه ! وهو الجاعل لهم المشيئة ، والإرادة ، والعداوة ، والاستطاعة ، وطول العمر ، والمهلة ، وسعة الرزق ، والنعمة . فإن صاحب هذا الرأي ، إذا فكر في أمر