إبليس وجنوده ، وما نسب إليه من السرور ، وما يعتقده من مخالفتهم للّه وعداوتهم ، فإنه امتلأ منهم غيظا وحقدا عليهم ، وناصبهم العداوة والبغضاء ، حتى إنه لو أمكنه قتلهم كلّهم ، أو قدر على قطع أرزاقهم ، فعل من شدة غيظه عليهم ، وإذا لم يقدر على ذلك بقي ، طول عمره ، مغتاظا مغتمّا متألما نفسه ، معذبا قلبه ، حتى إنه ربما فكّر في خلق اللّه لهم ، وتربيته إياهم ، وسعة رزقه عليهم ، وتمكينه لهم فيما يفعلون ، وإمهاله لهم ، فعاتب ربه في الضمير ، وخاصمه في السر ويقول : لم خلقهم ، ولم رباهم ورزقهم ، ولم مكّنهم وسلّطهم ، ولما ذا ، ولم ، وكيف ؟ وما شاكل هذه الوساوس والظنون الموبقة المؤلمة لنفوس المعترضين على اللّه في تدبير خلقه ، وإنفاذ مشيئته ، وإجرائه المعلوم على ما كان في سابق علمه .
فصل
واعلم أن ذكرنا لهذه الآراء الفاسدة ، والاعتقادات الرديئة المؤلمة لنفوس معتقديها ، لتعرف وتكون دليلا على أن هاهنا رأيا ملذّا لنفوس معتقديه ، مفرّحا لقلوبهم ، مبشّرا لأرواحهم ، وهو رأي أولياء اللّه ، واعتقاد الخواص من عباد اللّه الصالحين ، ومذهب الرّبّانيين الذين أسلموا لربهم ولم يشركوا معه غيره لا سرّا ولا علانية ، وهم الذين صفت قلوبهم عن درن الشهوات الجسمانية ، وطهرت أخلاقهم من العادات الرديئة ، واضمحلت عن ضمائرهم الآراء الفاسدة ، وصانوا جوارحهم عن الأعمال السيئة ، وألسنتهم عن الفحشاء والمنكر ، وأخلصوا سرائرهم مع اللّه ، ولم يعترضوا عليه في شيء من تدبير خلقه سرّا وعلانية ، فأصلح اللّه قلوبهم ، وزكّى نفوسهم ، وطهّر أخلاقهم ، فهم لا يضمرون لأحد من خلق اللّه سوءا ، ولا يرون لهم على أحد فضلا .
صالحوا الخلق سرّا وجهرا ، كما وصفهم اللّه تعالى بقوله :