تخطي إلى المحتوى الرئيسي

رسائل إخوان الصفاء وخلان الوفاء — صفحة 419

مساهمون:

ص٤١٩
من العقلاء أيضا . مثال ذلك أن الصبي الطفل إذا نشأ ورأى والديه ، وتأملهما ، وميز بينهما ، ثم رأى صبيّا آخر مثله حكم بتوهّمه بأن لذلك الصبيّ والدين أيضا قياسا على نفسه . وإن يكن له أيضا أخ أو أخت ، يظن ويتوهم بأن لذلك الصبي مثل ما له قياسا على نفسه ، من غير فكرة ولا روية ولا تأمّل . وأنت يا أخي ما تقول في هذا ؟ هل هذا قياس صحيح أو خطأ ؟ حتى إنه ربما رأى في دار والديه دابّة أو متاعا ، أو أصابه حر أو برد ، أو جوع أو عطش ، أو وجع أو غم ، فظنّ وتوهم أن سائر الصبيان قد أصابهم مثل ذلك ، قياسا على أحوال نفسه ، من غير فكر ولا روية في صوابه وخطئه ، حتى إذا كبر وتفكّر ، وميّز ، تبيّن له صوابه من خطئه في قياسه . ثم اعلم أنك تجد كثيرا من الناس العقلاء ومن يتعاطى العلم هذا حكمهم في قياساتهم ، وذلك أن كثيرا من الناس من إذا رأى في بلده ليلا أو نهارا ، أو شتاء أو صيفا ، أو حرّا أو بردا ، أو ريحا أو مطرا ، ظن وتوهم بأن سائر البلاد مثله في ذلك الوقت ، قياسا على ما وجد في بلده . فإذا نظر في علم الرياضيات من الهندسيات والطبيعيات ، تبين له أن قياسه كان خطأ أو صوابا . وهكذا تجد كثيرا من المرتاضين بهذه العلوم يتوهمون ويظنون بأن خارج العالم فضاء بلا نهاية ، قياسا على ما يجدون خارج بلدانهم من بلادهم من سعة الأرض ، ومن ورائها سعة الهواء ومن ورائها سعة الأفلاك . وهكذا أيضا إذا فكّروا في كيفية حدوث العالم وخلق السماوات والأرض ، ظنوا وتوهموا أن ذلك كان في زمان ومكان ، قياسا على أفعال البشريّين . وإذا سمعوا من أهل البصائر قولهم بأن العالم لا في مكان ، لا يتصوّرون كيفية ذلك ، فإذا قيل لا في زمان ظنّوا وتوهموا أنه قديم بلا حجّة ولا برهان .
رسائل إخوان الصفاء وخلان الوفاء — صفحة 419 | إخوان الصفاء