تخطي إلى المحتوى الرئيسي

رسائل إخوان الصفاء وخلان الوفاء — صفحة 417

مساهمون:

ص٤١٧
المحسوسات ، مع اختلاف أجناسها ، وفنون أنواعها وسائر أشخاصها ، فهي يمكنها بهذا السبب أن تركّب منها ضروب التراكيب مما له حقيقة في الهيولى ، ومما لا حقيقة له . والعلة الأخرى من أجل شرف جوهر النفس ولطافتها ، وشدّة روحانيتها ، وسهولة قبولها رسوم المعلومات في ذاتها وتصوّرها لها ، وذلك أن كل هيولى تكون ألطف جوهرا ، وأشدّ روحانية ، فإنها تكون لقبول الصّور أسرع انفعالا ، وأسهل قبولا . مثال ذلك الماء العذب فإنه لما كان ألطف جوهرا من التراب ، صار لقبول الطّعوم والأصباغ أسرع انفعالا ، وأسهل قبولا لنظافته وعذوبته وسيلانه . وهكذا لما كان الهواء ألطف جوهرا من الماء ، وأشد سيلانا ، صار قبوله للأصوات والروائح أسرع انفعالا وأسرع قبولا . وهكذا لما كان الضياء والنور ألطف من الهواء صار قبولهما للألوان والأشكال أسرع وأشدّ روحانية . فكيف لطافة النفس وروحانيتها ! ولعل هذا الباب يخفى على كثير ممن ينظر في دقائق العلوم من المحسوسات ، فكيف بالنظر في الأمور الروحانية ، وذلك أن جوهر النفس ألطف وأشدّ روحانية بكثير من جوهر النور والضياء . والدليل على ذلك قبولها رسوم سائر المحسوسات والمعقولات جميعا . فلهاتين العلتين صار الإنسان بالقوّة المتخيّلة يقدر على أن يتخيّل ويتوهّم ما لا يقدر عليه بالقوى الحسّاسة ، لأن هذه روحانيّة وتلك جسمانية ، ولأنها تدرك محسوساتها في الجواهر الجسمانية من خارج . وأما القوّة المتخيّلة فهي تتخيلها وتتصوّر في ذاتها . والدليل على صحة ما قلنا أفعال الصّناع البشريّين : وذلك أن كل صانع يبتدئ أولا يتفكّر ويتخيّل ويتصوّر في وهمه صورة مصنوعة بلا حاجة إلى شيء من خارج ، ثم يقصد بعد ذلك إلى هيولى ما ، في مكان ما ، في زمان ما ، فيصوّر فيها ما هو مصوّر في فكره بأدوات ما ، وبحركات ما ، كما بيّنّا في رسالة الصنائع العملية . ومن خاصة هذه القوّة أنها تعجز عن تخيّل شيء لم تؤدّ إليه حاسة من
رسائل إخوان الصفاء وخلان الوفاء — صفحة 417 | إخوان الصفاء