تخطي إلى المحتوى الرئيسي

رسائل إخوان الصفاء وخلان الوفاء — صفحة 418

مساهمون:

ص٤١٨
الحواس ، وذلك أن كل حيوان لا بصر له فهو لا يتخيّل الألوان ، وما لا سمع له فلا يتخيّل الأصوات ولا يتوهمها ، لأن التخيل أبدا في تصوّره للأشياء تبع للإدراك الحسّي ؛ والعقل في استنباطها تبع الدليل النفسيّ . فأما الإنسان فإنه لما كان يفهم الكلام ، أمكنه أن يتخيّل المعاني إذا وصفت له .

فصل في عجائب هذه القوة المتخيلة وتفاوت الناس فيها

فنقول : اعلم أن الناس في هذه القوة متفاوتو الدرجات تفاوتا بعيدا جدّا ، والدليل عليه أنك تجد كثيرا من الصبيان يكون أسرع تصوّرا لما يسمعون ، وأجود تخيّلا لما يصف لهم كثير من المشايخ والبالغين ، وذلك أن كثيرا من العلماء والعقلاء والمرتاضين في العلوم والآداب تعجز نفوسهم عن تصوّر أشياء كثيرة قد قامت الحجّة والبراهين على صحتها . ثم اعلم أن العلة في تفاوت درجات الناس في هذه القوّة ليست من اختلاف جواهر نفوسهم ، ولكن من أجل اختلاف تركيب أدمغتهم واعتدال أمزجتها ، أو فسادها وسوء مزاجها - كما ذكر ذلك في كتب الطب - ومن عجائب أفعال هذه القوة أيضا ، وما يتأتى للإنسان أن يعمل بها أعمالا عجيبة ، ما يحكى عن قوم من الكهنة من أهل الهند أنهم يؤثّرون في غيرهم بأوهامهم أشياء عجيبة ينكرها أكثر الناس . فأما حكماء بلاد اليونان وفلاسفتها فيرون ذلك يمكن ويتأتى للإنسان في نفسه ، فأما في غيره فبعيد جدّا ، ونحن قد بيّنا ذلك في رسالة الزّجر . ومن عجائب أفعال هذه القوة أيضا أنها تركّب القياسات ، وتحكم بها على حقائق الأشياء بلا روية ولا اعتبار ، مثل ما يفعل الصبيان والجهّال وكثير