تخطي إلى المحتوى الرئيسي

رسائل إخوان الصفاء وخلان الوفاء — صفحة 416

مساهمون:

ص٤١٦

فصل في بيان القوة المتخيلة

فنقول : إنّا قد ذكرنا طرفا من أحوال القوّة الحاسّة ، وكيفية التفاوتات التي بينها في إدراكها محسوساتها ، وما الأسباب المعينة لها على ذلك والمعوّقة لها عنها فيما تقدم ، فنريد أن نذكر طرفا في هذا الفصل من أحوال القوّة المتخيلة التي مسكنها الدماغ ، إذ كانت التالية للقوى الحساسة في تناولها رسوم المحسوسات منها . ونذكر أيضا بعض الأسباب المعينة على أفعالها ، والمعوّقة عن ذلك . ونذكر تفاوت درجات الناس في هذه القوّة ، إذ كان ذلك أحد أسباب اختلافهم في العلوم والمعارف والآراء والمذاهب . ولكن من أجل أن هذه القوة أكثر القوى الحسّاسة متخيّلات ، وأعجبها أفعالا ، احتجنا أن نذكر علّة ذلك فنقول : إن لهذه القوى خواصّ عجيبة ، وأفعالا ظريفة ، فمنها تناولها رسوم سائر المحسوسات جميعا ، وتخيّلها بعد غيبة المحسوسات عن مشاهدة الحواسّ لها . ومنها أيضا أنها تتخيّل وتتوهم ما له حقيقة ، وما لا حقيقة له ، بعد أن عرف بسائطها بالحسّ ، إذ له من القوة ما يقدر أن يوافي الصور التي أدّاها الحس إلى النفس في هيولاه كيف شاء ، لأنه كان يجدها مجرّدة عن الهيولى التي هي ماسكة للصور ، ومختفية بعضها دون بعض . فإذا أخذها مجرّدة لا إمساك لها ولا ربط ، أمكنه أن يؤلّف بينها كما شاء ويركّبها ، ويصل بعضها ببعض ما لم تكن متصلة بالهيولى . مثال ذلك أن الإنسان يمكنه أن يتخيّل بهذه القوة جملا على رأس نخلة ، أو نخلة ثابتة على ظهر جمل ، أو طائرا له أربع قوائم ، أو فرسا له جناحان ، أو حمارا له رأس إنسان ، وما شاكل هذه مما يعمله المصوّرون والنقّاشون من الصور المنسوبة إلى الجن والشياطين وعجائب البحر ، مما له حقيقة ، ومما لا حقيقة له . وإنما يستوي للإنسان بهذه القوّة المتخيّلات والتصوّر لها لعلتين اثنتين : إحداهما من أجل أن هذه المتخيّلات يجتمع عندها موادّ كثيرة من رسوم
رسائل إخوان الصفاء وخلان الوفاء — صفحة 416 | إخوان الصفاء