تخطي إلى المحتوى الرئيسي

رسائل إخوان الصفاء وخلان الوفاء — صفحة 420

مساهمون:

ص٤٢٠

فصل في بيان فضيلة هذه القوة

فنقول : اعلم أنّا قد ذكرنا أن لهذه القوة المتخيّلة عجائب كثيرة ، ووصفنا خواصّ أحوالها من أجل أنها من أعجب القوى الدرّاكة ، وأن أكثر العلماء تائهون في بحر هذه القوة وعجائب متخيّلاتها ، وذلك أن الإنسان يمكنه بهذه القوة ، في ساعة واحدة ، أن يجول في المشرق والمغرب ، والبر والبحر ، والسهل والجبل ، وفضاء الأفلاك وسعة السماوات ؛ وينظر إلى خارج العالم ، ويتخيّل هناك فضاء بلا نهاية ، وربما يتخيّل من الزمان الماضي وبدء كون العالم ، ويتخيّل فناء العالم ، ويرفع من الوجود أصلا ، وما شاكل هذه الأشياء مما له حقيقة ، ومما لا حقيقة له . وهذا الباب أحد الأسباب من جهة اختلاف العلماء في آرائهم ومذاهبهم في المعلومات : وذلك أنك تجد كثيرا من العقلاء ، إذا تفكروا وتخيّلوا ، بهذه القوة ، شيئا ما ، ظنوا أن ذلك حقّ ، وحكموا عليه حكما حقّا بلا حجة ولا برهان . وأيضا إن كثيرا منهم ، إذا سمع شيئا من العلوم فلم يتصوره - لعجز هذه القوة ونقصان فعلها فيه - أنكر وجحد ، ولم ينظر إلى الدليل والبرهان البتّة . فأما العقلاء المنصفون في الحكومة ، الطالبون للحق ، غير المعجبين بأنفسهم ، إذا سمعوا بالأخبار عن شيء متوهّم ، وتخيّلوا شيئا غالبا لم يحكموا على صحته وعلى بطلانه ، إلّا بعد الحجة والبرهان على تحقيقه أو بطلانه كما يفعل المهندسون والمنطقيّون . وإذ قد ذكرنا طرفا من خواصّ هذه القوة المتخيّلة وعجيب أفعالها ، نريد أن نذكر طرفا من خواصّ القوة المفكّرة التالية في تناولها رسوم المحسوسات المتخيّلات منها التي هي أشرف أفعالا وأكثرها عجائب .