يعرف الوضع للنواميس الإلهيّة وتدوين الكتب المنزلة .
فأما فضائل هذه القوة وقضاياها على ما بيّن هاهنا ، وذلك أن هذه القوة المفكّرة من بين سائر القوى الحسّاسة والمتخيلة ومدركاتها كالقاضي بين الخصماء ودعاويهم ، وذلك أن من سنّة القاضي أن لا يحكم بين الخصوم إلّا على سبيل معرفة شرعية ، وضعيّة ، معروفة بينهم ، أو مقاييس عقلية متّفق عليها بين الخصمين ، ولا يقبل الدعاوي إلّا بالشهود والصكوك ، وموازين ومكاييل معلومة معروفة بين الخصماء .
فهكذا حكومة هذه القوة المفكّرة التي مسكنها وسط الدماغ ، وقضاياها بين مدركات الحواسّ ومتخيّلات الأوهام ، فيما يدعي العقلاء بينهم من المنازعات والخصومات ، في الآراء والديانات والمذاهب ، فهي لا تحكم لأحد بين الخصمين بالصواب ولا بالخطإ إلّا بعد ما شهد شاهدان من الحواسّ الخمس ، أو نتائج مقدّمات جزئية من أوائل العقول . مثال ذلك في رجلين اختلفا في الحكومة في لون الشراب ، يحكم أحدهما بأن ذلك لون الماء ، والآخر أبى ، ثم تحاكما إلى القوة المفكّرة فلم تحكم هي لأحدهما بالصواب ولا بالخطإ ، إلّا بعد شهادة شاهدين من الحواس : وهما القوة الذائقة والباصرة .
وهكذا لو أنهما اختلفا في رؤية الماورد أو خلّ مصعّد « 1 » أو نفط أبيض ، أو ما شاكلها من الأجسام التي يشبه لونها لون الماء ، ولمسها لمس الماء ، فإن القوّة المفكّرة لا تحكم لأحدهما إلّا بعد ما تشهد القوة الذائقة والشامّة بماهيتهما .
وعلى هذا المثال والقياس ينبغي أن يكون سائر قضايا القوّة المفكرة بين الناس فيما يختلفون فيه من الحكومة على المحسوسات والمتخيّلات في الحكومات والقضايا جميعا .
هامش
( 1 ) مصعّد : عولج بالنار .