الأرض فهي التي تحدث في كرة النسيم ، فيضغطها السّحاب ، ويردّها إلى أسفل ، كنار البرق التي يضغطها السّحاب من فوق إلى أسفل .
وأما علّة استدارة تلك المادة فهي أن الأجسام السيّالة من شأنها أن تتشكّل ، ما لم يمنعها مانع ، أشكالا كرويّة ، كما يستدير القطر في الهواء ، لأن الشّكل الكرويّ أفضل الأشكال كما بيّنا في رسالة الهندسة .
وأما علّة حركتها إلى جهة دون جهة فبحسب الدافع لها من جهة المقابل ، وليست هي الريح ، لأنها أسرع حركة من الريح ، وقد بيّنا علّة حركتها في رسالة الحركات .
فانظر يا أخي وتفكّر في هذه الحكمة الإلهية والعناية الربانية كيف جعلت ورتّبت كرة الأثير دون فلك القمر ، وجعلتها نارا بلا ضياء كيما تحترق بحرارتها الدّخانات الغليظة الصاعدة في الهواء ، وتلطف البخارات العفنة الكثيفة ، ليكون الجوّ أبدا صافيا شفّافا . ولم تجعل تلك النار مضيئة ، لأنها لو كانت مضيئة كالنيران التي عندنا ، لمنعت أبصار الحيوان عن رؤية عالم الأفلاك والكواكب ، وخاصّة الإنسان ، لأنه لما منع الكون هناك لم يمنع الرؤية والنظر إليه ، لكيما تشتاق النفوس إلى الصعود نحوها هناك ، كما قال ، جلّ ثناؤه : «
إِلَيْهِ يَصْعَدُ الْكَلِمُ الطَّيِّبُ وَالْعَمَلُ الصَّالِحُ يَرْفَعُهُ
» يعني به روح المؤمنين . وقال في منع روح الكافر : «
لا تُفَتَّحُ لَهُمْ أَبْوابُ السَّماءِ وَلا يَدْخُلُونَ الْجَنَّةَ حَتَّى يَلِجَ الْجَمَلُ فِي سَمِّ الْخِياطِ
. » وقد جعلت الحكمة الإلهية أيضا الزّمهرير حجابا بين كرة النسيم وبين كرة الأثير ، لتمنع ببردها وهج الأثير عن الحيوان والنبات أن يتلفها ، ولتبرّد البخار وتعقده غيوما ليكون أمطارا تحيا بها البلاد . وجعلت كرة النسيم معتدلة المزاج ، ولمّا كان سببها انعكاس شعاعات الكواكب كما بيّنّا قبل ، وأكثرها وأوكدها هي الشمس ، جعلت تارة تغيب لبرد الجوّ ، وتارة تطلع لسخن الهواء ، ولو دامت بطلوعها ، لدام الإسخان ولأفرط الحرّ ، وكان ذلك فسادا كلّيّا . وكذلك