ولما كانت الشمس تقضي ستة أشهر في البروج الشّمالية ، وتقرب من سمت رأس هذه البلاد ، يسخن جوّ الهواء إسخانا شديدا ، فتتحرك البخارات وتتغشّى ، وتدفعها الرياح الشّمالية إلى ناحية الجنوب . وبما أن الشمس تكون بعيدة من سمت تلك البلاد ، يبرد الجوّ ويكون الشتاء هناك والأمطار والغيوم وما يتبعهما من حوادث الجوّ .
فإذا صارت الشمس ، بعد ستة أشهر إلى البروج الجنوبية ، قريبة من سمت تلك البلاد ، وبعدت من البلاد الشّمالية ، صار الشتاء هاهنا والصيف هناك ، وذلك دأبها ودأب الشتاء والصيف والغيوم والأمطار وما يتبعها من الحوادث التي تقدم ذكرها . وكلّ هذه الحوادث تكون في سمك كرة النسيم دون كرة الزمهرير .
فصل
وأما الحوادث التي في سمك كرة الزمهرير فهي الشّهب وانقضاض الكواكب التي ترى في الليالي . فربما كثر ذلك وربما قلّ .
وأما هيولاها ومادتها فهو الدخان اليابس اللطيف ، الصاعد من الجبال والبراري ، فإذا بلغت تلك المادة في صعودها إلى الفصل المشترك بين كرة الزمهرير وبين كرة الأثير ، استدارت هناك وتشكّلت واشتعلت فيها نار الأثير ، كما تشتعل نار السراج في دخان السّراج المنطفأ ، وكما تشتعل نار البرق في الدخان اليابس الدّهنيّ الذي في السحاب ، وكما تشتعل النار في النّفط الأبيض ثم تفنيه بسرعة فينطفئ . ومما يدلّ على أن مادتها دخان يابس كثرة ما يرى منها في سني الجدب .
وأما كيفية تشكّل هذه الدخانات ، إذا صعدت إلى هناك واشتعلت فيها النار ، فإنها إذا اعتبرت بالفكر ، وجدت تارة كأنها أعمدة مخروطة