تخطي إلى المحتوى الرئيسي

رسائل إخوان الصفاء وخلان الوفاء — صفحة 462

مساهمون:

ص٤٦٢
الأولى كالأربعة ، والطبيعة كالخمسة ، والجسم كالستة ، والفلك كالسبعة ، والأركان كالثمانية ، والمولودات كالتسعة . ومن وجه آخر نسبة النفس من العقل كنسبة ضوء القمر من نور الشمس ، ونسبة العقلي من الباري كنسبة نور الشمس من الشمس ، وكما أن القمر إذا امتلأ من نور الشمس حاكى نوره نورها ، كذلك النفس إذا قبلت فيض العقل ، فاستتمّت فضائلها ، حاكت أفعالها أفعال العقل . وإنما تستتم فضائلها ، إذا هي عرفت ذاتها وحقيقة جوهرها ؛ وإنما تستبين لها فضائل جوهرها ، إذا هي عرفت أحوال عالمها الذي هو صورة الإنسانية . لأن الباري تعالى خلق الإنسان في أحسن تقويم ، وصوّره أكمل صورة ، وجعل صورته مرآة لنفسه ، ليتراءى فيها صورة العالم الكبير . وذلك أن الباري ، جل جلاله ، لما أراد أن يطلع النفس الإنسانية على خزائن علومه ، ويشهدها العالم بأسره ، علم أن العالم واسع كبير ، وليس في طاقة الإنسان أن يدور في العالم حتى يشاهده كله لقصر عمره وطول عمران العالم ، فرأى من الحكمة أن يخلق لها عالما صغيرا مختصرا من العالم الكبير ، وصوّر في العالم الصغير جميع ما في العالم الكبير ، ومثّله بين يديها ، وأشهدها إياه ، فقال ، عزّ من قائل ، وأشهدهم على أنفسهم : ألست بربكم ؟ قالوا بأجمعهم : بلى . فمن كان منهم شاهدا عالما عارفا حقيقته ، كانت شهادته عليه حقّا ، ومن كان جاهلا ، كانت شهادته مردودة ؛ لأنه قال عز وجل : إلّا من شهد بحق وهم يعلمون . ألا ترى أنه لا يقبل إلّا شهادة أهل العلم ؟ ثم اعلم أن افتتاح جميع العلوم هو في معرفة الإنسان نفسه ، ومعرفة الإنسان تكون من ثلاث جهات ، أحدها أن يعتبر أحوال جسده ، وتركيب بنيته ، وما يتعلق عليه من الصفات خلوا من النفس . والآخر اعتبار أحوال نفسه ، وما يوصف من الصفات خلوا من الجسد . والآخر اعتبار أحوالهما مقترنين جميعا ، وما يتعلق على الجملة من الصفات . وقد بينّا في رسالة