الأقاليم ، وخطط الجبال والبحار والبراري والأنهار ، وبيّن حدود البلدان والمدن والمسالك والممالك ، وكتب في صدر المجلس علم الطب والطبائع ، وصوّر النبات والحيوانات والمعادن بأنواعها وأجناسها وأشخاصها ، وبيّن خاصّيتها ومنافعها ومضارّها . وكتب في الجانب الآخر علم الصنائع والحرف ، وبيّن كيفيّة الحرث والنسل ، وصوّر المدن والأسواق ، وبيّن أحكام البيع والشراء والربح والتجارات . وكتب في الجانب الآخر علم الدين والملل والشرائع والسّنن ، وبيّن الحلال والحرام والحدود والأحكام . وكتب في الجانب الآخر السياسة وتدبير المملكة ، وبيّن كيفيّة جباية الخراج ، والكتّاب والدواوين ، وبيّن أرزاق الجنود ، وحفظ الرعيّة والثغور بالجيوش والأعوان .
فهذه ستة أجناس من العلوم يراض بها أولاد الملوك . وهذا مثل ضربته الحكماء ، وذلك أن الملك الحكيم هو اللّه تعالى ، والأولاد الصغار هي الإنسانية ، والقصر المبنيّ هو الفلك بأسره ، والمجالس المتقنة هي صورة الإنسان ، والآداب المصوّرة هي عجيب تركيب جسده ، والعلوم المكتوبة فيه هي قوى النفس ومعارفها ، ونحن نبيّن هذا فصلا فصلا فيما بعد بأوجز الوجوه .
فصل في فضيلة جوهر النفس
فنقول : اعلم أن لجواهر النفوس عند اللّه منزلة وكرامة ليست لجواهر الأجسام ، وذلك لقرب نسبتها منه ، وبعد نسبة الأجسام ، وذلك أن جواهر النفوس حيّة بذاتها علّامة وفعّالة ، وجواهر الأجسام ميّتة منفعلة لا مثال لها . وقد بينّا في رسالة المبادي العقليّة أن نسبة الموجودات من الباري تعالى كنسبة العدد من الواحد ، والعقل كالاثنين ، والنفس كالثلاثة ، والهيولى