تخطي إلى المحتوى الرئيسي

رسائل إخوان الصفاء وخلان الوفاء — صفحة 463

مساهمون:

ص٤٦٣
تركيب الجسد طرفا من هذه الاعتبارات ونريد أن نذكر في هذه الرسالة طرفا آخر فنقول :

فصل في اعتبار أحوال الانسان بأحوال الفلك

اعلم أن الباري تعالى جعل في تركيب جسد الإنسان أمثلة وإشارات إلى تركيب الأفلاك وأبراجها والسماوات وأطباقها ، وجعل سريان قوى النفس في مفاصل جسده ، واختلاف أعضائه كسريان قوى أجناس الملائكة وقبائل الجن والإنس والشياطين في أطباق السماوات والأرض ، في أعلى عليّين إلى أسفل السافلين . وأما مماثلة تركيب جسد الإنسان بتركيب الأفلاك ؛ وذلك أنه لما كانت الأفلاك تسع طبقات مركّبة بعضها جوف بعض ، كما بينّا في الرسالة التي في مدخل النجوم ؛ كذلك وجد في تركيب جسد الإنسان تسع جواهر بعضها جوف بعض ، ملتفّات عليها مماثلة لها ، وهي العظام والمخّ واللحم والعروق والدم والعصب والجلد والشعر والظّفر ، فجعل المخّ في جوف العظام مخزونا لوقت الحاجة إليه ، ولفّ العصب على مفاصله كيما يمسكها فلا ينفصل ، وحشا خلل ذلك باللحم صيانة لها ، ومدّ في خلل اللحم العروق والأوردة الضاربة لحفظها وصلاحها ، وكسا الكل بالجلد سترا لها وجمالا لها ، وأنبت الشعر والظفر من فضل تلك المادة لمأربها ، فصار مماثلا لتركيب الأفلاك بالكمّية والكيفية جميعا ، لأنها تسع طبقات ، وهذه تسع جواهر ، وتلك بعضها جوف بعض ، وهذه مثال ذلك . ولما كان الفلك مقسوما اثنى عشر برجا ، وجد في بنية الجسد اثنا عشر ثقبا مماثلا له ، وهي العينان ، والأذنان ، والمنخران ، والثديان ، والفم ، والسّرّة ، والسبيلان .
رسائل إخوان الصفاء وخلان الوفاء — صفحة 463 | إخوان الصفاء