تخطي إلى المحتوى الرئيسي

رسائل إخوان الصفاء وخلان الوفاء — صفحة 460

مساهمون:

ص٤٦٠
مكتبا للعلوم ، والنفس كالصبيّ في المكتب ، كما بيّنا في رسالة الحاس والمحسوس . ومن وجه آخر ، إذا اعتبر تركيب الجسد ، وسريان قوى النفس فيه ، وتصرّف أحوال الإنسان ، كأنه دفتر مملوء من العلوم ، ويقال إنه مختصر من اللوح المحفوظ . وقد ضربت الحكماء لذلك أمثالا كثيرة ، ونريد أن نذكر من ذلك طرفا مرموزا مختصرا حسب ما يليق بنا .

فصل في أن الانسان مختصر من اللوح المحفوظ

ذكر أنه كان ملك من الملوك ، حكيم من الحكماء ، سيد من السادات ، وكان له أولاد صغار محبوبون له ، مكرّمون عليه ، فأراد أن يؤدبهم ويهذبهم ويروضهم ليقوّمهم قبل إيصالهم إلى مجلسه ، لأنه لا يليق بمجالس الملوك إلّا المهذبون بالآداب ، والمرتاضون في العلوم ، المتخلّقون بالأخلاق الجميلة ، المبرّءون من العيوب ، فرأى من الرأي الرصين والحكمة أن يبني لهم قصرا على أحكم ما يكون من البنيان ، فأفرد لكل واحد منهم مجلسا ، وكتب كلّ علم أراد أن يعلمهم إياه في جوانب ذلك المجلس ، وصوّر فيه كل شيء أراد أن يهذّبهم به . ثم أجلسهم في ذلك القصر ، وأجلس كل واحد منهم في حصته المعدّة له ، ووكّل بهم الخدم والجواري والغلمان ، وقال لأولئك الأولاد : انظروا إلى ما صوّرت لكم بين أيديكم ، واقرؤوا ما كتبت فيه من أجلكم ، وتأملوا ما بيّنته لكم ، وتفكّروا فيها لتعرفوا معانيها ، وتصيروا من ذلك حكماء أخيارا فضلاء أبرارا ، فأوصلكم إلى مجلسي ، فتكونوا من ندمائي مكرّمين سعداء ، منعّمين أبدا ، ما بقيت وبقيتم معي . وكان مما كتب لهم في ذلك المجلس من العلوم أن صوّر في أعلى قبة المجلس صورة الأفلاك ، وبيّن كيفية دورانها ، وأبراج طلوعاتها ، وكذلك الكواكب وحركاتها ، وأوضح دلائلها وأحكامها . وصوّر في صحن المجلس صورة الأرض وأقسام
رسائل إخوان الصفاء وخلان الوفاء — صفحة 460 | إخوان الصفاء