تخطي إلى المحتوى الرئيسي

رسائل إخوان الصفاء وخلان الوفاء — صفحة 314

مساهمون:

ص٣١٤
من أولادها البرّ والمكافأة والجزاء . فأما أكثر الإنس فيريدون من أولادهم برّا وصلة وجزاء ومكافأة ، ويمنّون عليها في تربيتهم إياهم . وأين هذا من المروءة والفضل والكرم والجود والسخاء الذي هو من شيم الأحرار الكرام من أرباب الفضل ؟ وبما ذا يفتخر الإنس علينا ، إذ ألذّ مأكولاتهم فضالتنا ، وأحسن ملبوساتهم فضالة دود القز ، فهم في مأكولاتهم وملبوساتهم تحت منّنا ، ولنا أبدا النعمة عليهم ، فكيف يدّعون أنهم أرباب لنا ونحن عبيد لهم ؟ ثم قال النحل : أما البراغيث والبقّ والديدان وما شاكلها من أبناء جنسها ، فإنها لا تبيض ولا تحضن ولا تلد ولا ترضع ولا تربّي أولادها ، ولا تبني البيوت ، ولا تدخر العشب ، ولا تتخذ الكنّ ، بل تقطع أيام حياتها مرفّهة ومستريحة مما يقاسي غيرها من برد الشتاء والرياح والأمطار وحوادث الزمان . وإذا تغيّر عليها الزمان ، واضطرب الكيان ، وتغالبت طبائع الأركان ، أسلمت نفسها للنوائب والحدثان ، وانقادت للممات لعلمها يقينا بالمعاد . وتعلم أن اللّه تعالى منشئها ومعيدها في العام القابل للكون ، كما أنشأها أول مرة . ولا تقول ولا تنكر كما أنكر الإنس . وقالت : « إنا لمردودون في الحافرة ، أإذا كنا عظاما نخرة قالوا تلك إذا كرّة خاسرة » . فلو اعتبر هذا الإنسي ، أيها الملك ، فيما ذكرت من هذه الأشياء من تصاريف أمور هذه الحشرات والهوام ، لعلم وتبين له بأن لها علما وفهما ومعرفة وتمييزا ودراية وفكرا وروية وسياسة وتدبيرا . كل ذلك عناية من الباري تعالى ، ولما افتخر علينا فيما ذكر أنهم أرباب ونحن عبيد لهم . أقول قولي هذا وأستغفر اللّه لي ولكم ، إنه هو الغفور الرحيم . فلما فرغ النحل من كلامه قال له الملك : بارك اللّه فيك من حكيم ما أعلمك ، ومن خطيب ما أفصحك ، ومن مبين ما أبلغك !
رسائل إخوان الصفاء وخلان الوفاء — صفحة 314 | إخوان الصفاء