فإنها إذا شبعت من الرعي في أيام الربيع وسمنت ، أخذت تنسج على نفسها من لعابها في رؤوس الجبال شبه العش والكنّ ؛ ثم تنام أياما معلومة ، فإذا انتبهت طرحت بيضها في داخل ذلك الكنّ الذي نسجته على أنفسها ، ثم ثقبتها ، وخرجت منها ، وسدّت ذلك الثّقب ، وخرجت لها أجنحة ، وطارت فيأكلها الطير ، أو ماتت من الحر والبرد والريح والمطر ، وبقي ذلك البيض في تلك الجوزات محروزا أيام الصيف والخريف والشتاء من الحر والبرد والرياح والأمطار ، إلى أن يحول الحول ، وتجيء أيام الربيع ، ويحضن ذلك البيض في الجوزات ، ويخرج من ذلك الثّقب مثل الدبيب الصغار ؛ وتدب على ورق الشجر أياما معلومة ، فإذا شبعت وسمنت ، أخذت ونسجت على نفسها من لعابها مثل العام الأول ، وذلك دأبها أبدا ، وذلك تقدير العزيز العليم الذي أعطى كل شيء خلقه ، ثم هدى إلى أمور مصالحها ومنافعها .
وكذلك أيضا أيها الملك حال الزنابير الصّفر والحمر والسود ، فإنها تبني أيضا منازل في السقوف والحيطان ، ومن بين أغصان الأشجار مثل ما يفعل النحل وتبيض وتفرخ ، ولكنها لا تجمع القوت للشتاء ، ولا تدّخر للغد شيئا ، ولكن تتقوت يوما بيوم ما طاب لها الوقت . فإذا أحسّت بتغير الزمان ومجيء الشتاء ذهبت إلى الأغوار والمواضع الكنينة الدفئة .
ومنها ما يدخل في ثقب الحيطان والمواضع الكنينة الحصينة ، وينام فيها أياما طول الشتاء . وإذا جاء الربيع واعتدل الزمان ، وطاب الهواء ، نفخ اللّه تعالى فيما سلم من تلك الجثّة روح الحياة ، فعاشت وبنت البيوت ، وباضت وحضنت أولادها مثل العام الأول . فهذا دأبها تقدير العزيز العليم .
وكل هذه الأنواع من الحشرات والهوامّ تبيض وتحضن وتربّي أولادها بعلم ومعرفة ودراية وشفقة ورحمة ورأفة وتحنّن ولطف ورفق ، ولا تطلب
رسائل إخوان الصفاء وخلان الوفاء — صفحة 313
مساهمون: إخوان الصفاء
ص٣١٣