فصل
فنطق عند ذلك زعيم الطيور ، وهو الهزار داستان « 1 » ، وكان قاعدا على غصن شجرة يترنم فقام وقال :
الحمد للّه الواحد الأحد ، الفرد الصمد ، القديم الأبد ، الدائم السرمد ، بلا شريك ولا ولد ، بل هو مبدع المبدعات ، وخالق المخلوقات ، وعلة الموجودات ، ومسبب الكائنات من الجمادات والنباتات ، وبارئ المبروءات ، مركّب السماوات ، ومولّد الموّلدات كيف شاء وأراد .
واعلم ، أيها الملك الكريم ، أن هذا الإنسي افتخر بطيب مأكولاتهم ، ولذيذ مشروباتهم ، ولا يدري أن ذلك كلّه عقوبات لهم ، وأسباب الشقاوة ، وعذاب أليم ، إذ في حرامها عذاب ، وفي حلالها حساب ، وهم فيها بينهما من الخوف والرجاء .
قال : الملك : وكيف ذلك ؟ بيّن لنا .
قال : نعم ، وذلك أنهم يجمعون ذلك ، ويحصّلونه بكدّ أبدانهم ، وتعب نفوسهم ، وجهد أرواحهم ، وعرق جبينهم ، وما يلقون في ذلك من الشقاوة والهوان ، مما لا يعد ولا يحصى من كدّ الحرث والزرع ، وإثارة الأرض ، وحفر الأنهار ، وسد الشقّ ، وعمل البريدات « 2 » ، ونصب الدواليب ، وجلب الغروب « 3 » ، والسقي ، والحفظ والنظافة والحصاد والحمل والجمع والدّراس والتّذرية والكيل والقسمة والوزن والطّحن والعجن والخبز وبناء التّنور ، ونصب القدور ، وجمع الحطب والشوك ، والسّرقين « 4 » ، ووقود « 5 » النيران ،
هامش
( 1 ) الهزار داستان : العندليب ، بالفارسية .
( 2 ) البريدات : الدواب المرتبة ، وهي دواب البريد التي تترتب للرسل .
( 3 ) الغروب : جمع غرب ، وهي الدلو .
( 4 ) السرقين : الزبل .
( 5 ) الوقود : الحطب ، وما توقد به النار .