ومعرفة هندسة ، كأنها أنابيب مجوّفة مسدّسة . ثم كيفيّة ترتيبها البوّابين والحجّاب والحرّاس والمحتسبين ، وكيف تذهب إلى المرعى أيام الربيع وليالي القمر في الصيف ، وكيف تجمع الشمع بأرجلها من ورق الأشجار ، والعسل بمشافيرها من زهر النبات . ثم كيف تخزنها في بعض البيوت ، وكيف تشد رأسها كأنها رؤوس البراقي مشدودة بالقراطيس . وكيف تبيض في بعض البيوت وتحضن وتفرخ ؛ وكيف تأوي في بعض البيوت ، وتنام فيها أيام الشتاء والصيف والبرد والرياح والأمطار . وكيف يقتاتون من ذلك العسل المخزون هي وأولادها يوما بيوم ، لا إسرافا ولا تقتيرا ، إلى أن تنقضي أيام الشتاء ، وتجيء أيام الربيع وينبت العشب ، ويطيب الزمان ، ويخرج النبات والزهر والنّور ، وكيف ترعى كما كانت عام أول ، وذلك دأبها من غير تعليم من الأستاذين ، ولا تأديب من المعلمين ، ولا تلقين من الآباء والأمّهات ، بل تعليما من اللّه تعالى ، ووحيا إلهاما وإنعاما وتكرّما وتفضّلا علينا . وأنتم يا معشر الإنس تدّعون علينا بالرقّة وأنتم موالينا ، فلم ترغبون في فضائلنا وتفرحون عند وجداننا ، وتستشفون عند تناولنا ؟ فمن كان ملكا كيف يحرص ويرغب في فضالة الخدم والخول ؟ ونحن مستغنون عنكم ، فليس لكم سبل إلى هذه الدعوات ، إذ الدعوى زور وبهتان .
وأيضا ، أيها الملك ، لو علم الإنسي من حال النمل ، وكيف تتخذ القرية تحت الأرض منازل وبيوتا وأزقة ودهاليز وغرفا وطبقات منعطفات ؛ وكيف تملأ بعضها حبوبا وذخائر وقوتا للشتاء ؛ وكيف تجعل بعض بيوتها منخفضا مصونا ، كي لا تجري إليها المياه ، وبعضها مرتفعا . تخبئ الحبّ والقوت في بيوت منعطفات إلى فوق ، حذرا عليها من المطر ، وإذا ابتل منها شيء كيف تنشره أيام الصحو وكيف تقطع حب الحنطة نصفين ، وكيف تنشر الشعير والباقلّاء والعدس ، لعلمها بأنه لا ينبت مع التقشير ، وتراها كيف تعمل أيام الصيف ليلا ونهارا باتخاذ البيوت وجمع الذخائر .
رسائل إخوان الصفاء وخلان الوفاء — صفحة 311
مساهمون: إخوان الصفاء
ص٣١١