وكيف تنصرف في الطلب يوما يمنة ويوما يسرة في القرية ، كأنها قوافل ذاهبين وجائين ، وآنا إذا ذهبت واحدة منها ، فوجدت شيئا لا تقدر على حمله ، أخذت منه قدرا ما ، وذهبت راجعة مخبرة للباقين . وكلما استقبلتها واحدة شاممتها مما في فيها لتدلّها على ذلك الشيء . ثم ترى كيف كل واحدة منها على هذا الطريق الذي جاءته من هناك . ثم كيف تجتمع على ذلك الشيء جماعة منها ، وكيف يحملونه ويحترزونه بجهد وعناء في المعاونة .
وإذا علمت أن واحدة منها توانت في العمل ، أو تكاسلت في التعاون ، اجتمعت على قتلها ورمت بها عبرة لغيرها . فلو تفكّر الإنسي في أمرها ، واعتبر أحوالها ، لعلم أن لها علما وفهما وتمييزا ومعرفة ودراية وتدبيرا وسياسة مثل ما لهم ، ولما افتخر علينا بما ذكر .
وأيضا أيها الملك لو تفكّر الإنسي في أمر الجراد أنها إذا سمنت أيام الربيع من الرّعي كيف تطلب أرضا طيبة التربة ، رخوة الحفرة ، وكيف تنزل هنالك وتحفر بأرجلها ومخاليبها ، وتدخل أذنابها في تلك الحفرة ، وتطرح بيضها فيها ، وتدفنه ثم طارت . وتعيش أياما ثم تأكلها الطيور ، ويموت من بقي ويهلك من حر وبرد ، وتطير .
ثم إذا دارت عليها الحول « 1 » ، وجاءت أيام الربيع ، واعتدل الزمان ، وطاب الهواء ، فكيف ينشر من ذلك البيض المدفون مثل الدبيب « 2 » الصغار على وجه الأرض ، وأكلت من ورق الشجر وسمنت وباضت مثل عام أول .
وهذا دأبها ، وذلك تقدير العزيز العليم . فليعلم هذا الإنسي أن لنا علما ومعرفة .
وهكذا أيضا أيها الملك دود القز التي تكون على رؤوس الأشجار والجبال
هامش
( 1 ) الحول : السنة ، أنثه على التضمين .
( 2 ) الدبيب : الهوام الصغيرة التي تلعب بالماء .