قال الروميّ : كثرة علومنا ، وفنون معارفنا ، ودقّة تمييزنا ، وجودة فكرنا ورويّتنا وسياستنا وتدبيرنا ، وعجيب متصرّفاتنا ، وصلاح معايشنا ومعاونتنا في الصنائع والتجارات والحرف في أمور دنيانا وآخرتنا . كل ذلك دليل على ما قلنا إنّا أرباب لهم وهم عبيد لنا .
قال الملك للجماعة الحضور من الحيوانات : ما تقولون فيما ذكروا واستدلوا على ما ادعوا عليكم من الربوبيّة والتملك ؟
فأطرقت الجماعة ساعة متفكرة فيما ذكر الإنسيّ من فضائل بني آدم ، وما أعطاهم اللّه من جزيل المواهب التي خصّوا بها من بين سائر الحيوان . ثم تكلم النحل وقام خطيبا مذكرا مسبحا وقال :
الحمد للّه الواحد ، فاطر السماوات ، وخالق المخلوقات ، ومدبّر الأوقات ، ومنزل القطرات والبركات ، ومنبت العشب في الفلوات ، ومخرج الزهر من النبات ، وقاسم الأرزاق والأقوات ، نسبّحه في صباحنا بالغدوات ، ونحمده في رواحنا بالعشيّات ، بما عملنا من الصلوات والتحيّات ، كما قال اللّه تعالى :
« وَإِنْ مِنْ شَيْءٍ إِلَّا يُسَبِّحُ بِحَمْدِهِ وَلكِنْ لا تَفْقَهُونَ تَسْبِيحَهُمْ »
.
أمّا بعد أيها الملك العادل ، يزعم هذا الإنسي بأن لهم علوما ومعارف وفكرا ورويّة وتدبيرا وسياسة تدل على أنهم أرباب لنا ونحن عبيدهم . فلو أنهم فكروا في أمرنا واعتدّوا أيضا أحوالنا ، لبان لهم من أمرنا ، وعرفوا من تصاريف أحوالنا وتعاوننا في إصلاح شأننا ، أن لنا أيضا علما وفهما ومعرفة وتمييزا وفكرا وروية وسياسة وتدبيرا أدقّ وألطف وأحكم وأتقن مما لهم .
فمن ذلك اجتماع جماعة النحل في قراها وتمليكها عليها رئيسا واحدا ، واتخاذ ذلك الرئيس أعوانا وجنودا ورعية ، وكيفيّة مراعاتها وسياساتها ، وكيفية اتخاذها المنازل والبيوت المسدّسات ، المتجاورات ، المكتفات « 1 » من غير بر كار
هامش
( 1 ) المكتفات : المقطعات قطعا صغارا .