فقال لهم حكيم من حكماء الجن : لا تنكروا ذلك ، ولا تتعجبوا منه ، فإن اليعسوب ، وإن كان صغير الجثة ، لطيف المنظر ، ضعيف البنية ، فإنه عظيم المخبر ، جيد الجوهر ، ذكي النفس ، كثير النفع ، مبارك الناصية ، حكيم الصنعة . وهو رئيس من رؤساء الحشرات ، وخطيبها ، وملكها ، ونبيها .
والملوك يخاطبون من كان من أبناء جنسهم في الملك والرئاسة ، وإن كان مخالفا لهم في الصورة ، وكانوا متباينين في الملك . ولا تظنوا بأن الملك العادل الحكيم يميل في الحكومة إلى واحدة من الطوائف دون غيرها لهوى غالب ، أو طبع مشاكل ، أو ميل لسبب من الأسباب ، وعلة من العلل .
فلما فرغ حكيم الجن من كلامه ، نظر الملك إلى الجماعة الحضور فقال :
سمعتم يا معشر الإنس أمر شكاية هذه البهائم من جوركم وظلمكم ، ونحن قد سمعنا ادعاءكم عليها الرّقّ والعبودية ، وهي تأبى ذلك وتجحده . وطالبتكم بالدليل والحجّة على دعواكم ، فأوردتم ما ذكرتم ، وسمعنا ما أجابوكم ، فهل عندكم شيء آخر غير ما ذكرتم بالأمس ؟ فهاتوا برهانكم ان كنتم صادقين ليكون لكم حجة عليها .
فصل
فلما سمع الإنس جميع ما قال ملك الجن في حقهم ، قام زعيم من رؤساء الروم فقال : الحمد للّه الحنّان المنّان ، ذي الجود والإحسان ، والعفو والغفران ، الذي خلق الإنسان ، وألهمه العلوم والبيان ، وبيّن له الدليل والبرهان ، وأعطاه العزّ والسلطان ، وعرّفه تصاريف الدهور ، وتقلّب الأزمان ، وسخّر له النبات والحيوان ، وعرّفه منافع المعادن والأركان .
نعم أيها الملك ، لنا خصال محمودة ، ومناقب جمة تدل على ما قلنا وذكرنا .
قال الملك : وما هي ؟