برئيس قبيلة ، أو ملك أو جنوده ، فإنهم يعزمون عليها « 1 » ، ويحشرون إليها ، ويمتثلون ما يأمرهم وينهاهم في صاحبهم .
ومن الدليل أيضا على حسن طاعة الجن وسهولة الانقياد ، وسرعة إجابتها للداعي لها ؛ إجابة نفر من الجن لمحمد ، عليه السلام ، في ساعة اجتازوا به ووجدوه يقرأ القرآن ، ووقفوا عليه فاستمعوه واستجابوه ، وولّوا إلى قومهم منذرين كما هو مذكور في القرآن من نعتهم في نحو عشرين آية . فهذه الآيات والدّلالات والعلامات دالّات على حسن الطاعة للجن ، وسهولتها ، وسرعة انقيادها ، وإجابتها لمن يدعوها أو يستعين بها خيرا كان أو شرّا .
فأما طباع الإنس وجبلتهم فبالضد مما ذكرت . وذلك أن طاعتهم لرؤسائهم وملوكهم أكثرها خداع ومكر ونفاق وغرور وطلب للعوض والأرزاق والمكافاة ، والخلع والمآرب والكرامات . فإن لم يروا ما يطلبون ، أظهروا المعصية والخلاف ، وخلعوا الطاعة ، والخروج من الجماعة ، والعداوة والحرب والقتال والفساد في الأرض .
فهكذا حكمهم مع أنبيائهم ورسل ربهم ، تارة ينكرون دعوتهم بالجحود ودفع العيان وحجة الضرورات ، ويطلبون منهم المعجزات بالعناد . وتارة الإجابة بالنّفاق والشّك والارتياب والمكر والدّغل والغشّ والخيانة في السر والجهر . كل ذلك لغلظ طباعهم ورداءة جبلتهم وسوء عاداتهم وسيئات أعمالهم ، وتراكم جهالاتهم وعمى قلوبهم . ثم لا يرضون حتى يزعمون أنهم أرباب ، وغيرهم عبيد لهم ، بلا حجة ولا برهان .
فلما رأت جماعة الإنس طول مخاطبة ملك الجن لليعسوب زعيم الحشرات ، تعجبت وأنكرت وقالت : لقد خص الملك زعيم الحشرات اليعسوب بكرامة ومنزلة لم يخصّ بها أحد من زعماء الطوائف الحضور في هذا المجلس .
هامش
( 1 ) يعزمون عليها : يقسمون عليها ، اي يقسمون عليها أن لا تمسه بلمم .