قال : نعم ، ألا ترى أيها الحكيم أن الحواس الخمس في إدراكها محسوساتها ، وإيرادها أخبار مدركاتها إلى النفس الناطقة ، لا تحتاج إلى أمر ولا نهي ، ولا وعد ولا وعيد ، بل كلما همّت النفس الناطقة بأمر محسوس ، امتثلت الحاسة لما همت به النفس ، وأدركتها وأوردتها إليها بلا زمان ولا تأخير ولا إبطاء .
وهكذا طاعة الملائكة لرب العالمين الذين لا يعصون اللّه ما أمرهم ، ويفعلون ما يؤمرون ، الذي هو رئيس الرؤساء ، وملك الملوك ، ورب الأرباب ، ومدبر الكل ، وخالق الجميع ، وأحكم الحاكمين . لو كان فيهما آلهة إلّا اللّه لفسدتا ، فسبحان اللّه رب العالمين .
وأما الأشرار والكفار والفسّاق من الجن فإنها أحسن طاعة لرؤسائها ، وأطوع انقيادا لملوكها من أشرار الإنس وفجّارهم وفسّاقهم . والدليل على ذلك حسن طاعة مردة الجن لسليمان ، عليه السلام ، لما سخّرت له فيما كان يكلّفها من الأعمال الشاقة والصنائع المتعبة ، فيجعلون له ما يشاء من محاريب ، وتماثيل ، وجفان كالجواب « 1 » ، وقدور راسيات .
ومن الدليل أيضا على حسن طاعة الجن لرؤسائها ما قد عرفه بعض الإنس الذين يسافرون في المفاوز والفلوات ، أن أحدهم إذا نزل بواد يخاف فيه من لمم « 2 » الجن ، ويسمع دويهم وزجلاتهم ، فيستعيذ برؤسائها وملوكها ، ويقرأ آية من القرآن والإنجيل والتوراة ، ويستجير بها عنهم وعن تعرضهم وأذيتهم ، فإنهم لا يتعرضون له ما دام في مكانه .
ومن حسن طاعة الجن لرؤسائها أنه إذا تعرض أحد من المردة وشياطين الجن لأحد من بني آدم بتخيّل أو فزعة أو تخبّط أو لمم ، فيستعين المعزّم « 3 »
هامش
( 1 ) الجواب ، جمع جوب : وهو الترس .
( 2 ) اللمم : الجنون ومس الجن .
( 3 ) المعزّم : الراقي .