فصل في بيان حسن طاعة الجن لرؤسائها وملوكها
ثم قال اليعسوب لملك الجن : كيف حسن طاعة الجن لرؤسائها وملوكها ؟
قال : أحسن طاعة وأطوع انقياد لأمرها ونهيها .
قال : يتفضل الملك ويذكر منها شيئا .
قال : نعم ، فاعلم أن الجن أخيار وأشرار ، ومسلمون وكفار ، وأبرار وفجار ، كما يكون في الناس من بني آدم . فأما حسن طاعة الأخيار منها لرؤسائها وملوكها ففوق الوصف ، مما لا يعرفه البشر من بني آدم ، لأن طاعتها لملوكها كطاعة الكواكب في الفلك للنيّر الأعظم الذي هو الشمس .
وذلك أن الشمس في الفلك كالملك ، وسائر الكواكب لها كالجنود والأعوان والرعية . ونسبة المرّيخ من الشمس كنسبة صاحب الجيش من الملك ، والمشتري كالقاضي ، وزحل كالخازن ، وعطارد كالوزير ، والزهرة كالحرم ، والقمر كوليّ العهد ، وسائر الكواكب كالجنود والأعوان والرعية . وذلك أنها كلها مربوطة بفلك الشمس ، تسير بسيرها في استقامتها ورجوعها ووقوعها واتصالاتها وانصرافاتها . كل ذلك بحسبان لا تتجاوز رسومها ، ولا تتعدى حدودها وجريان عاداتها في طلوعها وغروبها وتشريقها وتغريبها ؛ وجميع أحوالها ومتصرّفاتها لا يرى منها معصية ولا خلافه .
قال النحل لملك الجن : من أين للكواكب حسن هذه الطاعة والانقياد والنظام والترتيب لملكها ؟
قال : من الملائكة الذين هم جنود رب العالمين .
قال : كيف حسن طاعة الملائكة لربّ العالمين ؟
قال : كطاعة الحواس الخمس للنفس الناطقة .
قال : زدني بيانا .