فهؤلاء أيضا يعلمون مثل السّخرية بحيث أنهم يبعثون إلينا الهدايا من التمر والدبس ، إذ كلاهما يضرّ بأبدانهم ، ويأخذون منا عسلا صافيا لذيذا ، جعله اللّه تعالى سببا لشفاء أبدانهم ، وزوال أمراضهم . فنحن من حسن أخلاقنا لا نضايقهم فنصالحهم ، إذ الصلح خير لنا ولهم ، لأن العداوة والخصومة تؤدي إلى هلاك الحيوان ، وتؤدي إلى خراب البلاد . فنحن نراجعهم ونصالحهم لما في طبائعنا من الخيرة ، ولما في صدورنا من السلامة وقلة الحقد والحسد وحسن المراجعة . وقلبنا صار موضع إلهام اللّه تعالى لا يجوز أن يكون موضع الحقد والحسد ، إذ هما ضدّان لا يجتمعان . وذلك أن اللّه تعالى جعلنا من المقرّبين والصالحين ، وألقى الوحي علينا لا يليق بنا أن نكون فاسقين طاغين .
ومع هذا كله لا يرضون منا هؤلاء الإنس ، حتى يدّعون علينا بأننا عبيد لهم ، وهم موال وأرباب لنا بغير حجة ولا بيان ولا برهان ، غير الزور والبهتان . إذ نحن غير محتاجين إليهم حسب ما يكون العبيد محتاجين إلى الموالي في تصاريف أمورهم ، بل هم محتاجون إلينا مثل ما يحتاج الخدم إلى السيد . واللّه المستعان ، أقول قولي هذا وأستغفر اللّه لي ولكم ، إنه هو الغفور الرحيم .
رسائل إخوان الصفاء وخلان الوفاء — صفحة 305
مساهمون: إخوان الصفاء
ص٣٠٥