تخطي إلى المحتوى الرئيسي

رسائل إخوان الصفاء وخلان الوفاء — صفحة 304

مساهمون:

ص٣٠٤
فلهذا جعلت نفسي فداء لهم في أشياء كثيرة من الأمور الخطيرة إشفاقا عليهم . ومن هذا السبب الذي ذكرت اخترت مجيئي بنفسي رسولا ونائبا وزعيما من رعيّتنا وجنودنا . فلما فرغ النحل من كلامه ، قال الملك : بارك اللّه فيك من خطيب ما أفصحك ، وحكيم ما أعلمك ؛ ومن رئيس ما أحسن سياستك ؛ ومن ملك ما أفضل رعايتك ؛ ومن عبد ما أعرفك بإنعام ربك ومواهب مولاك . ثم قال الملك : أين تأوون من البلاد ؟ قال : في رؤوس الجبال والتلال ، وبين الأشجار والدّحال . ومنا من يجاور بني آدم في منازلهم وديارهم . قال الملك : كيف عشرتهم ، وكيف تسلمون منهم ؟ قال : أما من بعد منا من ديارهم ، فيسلم على الأمر الأكثر ، ولكن ربما يجيئون إلينا في طلبنا ، ويتعرضون لنا بالأذية ، فإذا ظفروا بنا ، خربوا منازلنا ، وأحفوا بيوتنا ، ولم يبالوا بأن يقتلوا أولادنا ، ويأخذوا مساكننا وذخائرنا ، ويتقاسموها ويستأثروا بها دوننا . قال الملك : وكيف صبركم عليهم وعلى ذلك منهم ؟ قال : صبر المضطر تارة كرها ، وتارة رضى وتسليما . إن غضبنا وهربنا وتباعدنا من ديارهم ، جاءوا خلفنا يطلبوننا ، ويترضوننا بالهدايا من العطر وأنواع الحيل من أصوات الدفوف والطبول والمزامير والهدايا المزدوجة المزخرفة من الدبس والتمر ، وعملهم مثل عمل الطّرارين « 1 » الذين يمشون في المحال « 2 » ، ويعطون الزبيب والجوز للصبيان ، ويأخذون منهم أثوابهم ودراهمهم ، ويسخرون على الصبيان .
هامش
( 1 ) الطرارين : السلابين الذين يطرون ، اي يشقون همايين الناس ليختلسوا أموالهم ، وهم المعروفون عند العامة بالنشالين . ( 2 ) المحال : الحيلة .
رسائل إخوان الصفاء وخلان الوفاء — صفحة 304 | إخوان الصفاء