في ثقل رأسنا في الطيران . وجعل لي حمة حادة كأنها شوكة ، وجعلها سلاحا لي أخوف به أعدائي ، وأزجر به من يتعرض ليؤذيني . وجعل رقبتي خفيفة ليسهل بها علي تحريك رأسي يمنة ويسرة ، وجعل رأسي مدوّرا عريضا ، وجعل في جنبي عينين برّاقتين كأنهما مرآتان مجلوتان ، وجعلها آلة لنا لإدراك المرئيّات المبصرات من الألوان والأشكال والأنوار والظلمات . وأثبت على رأسنا شبه قرنين لطيفين ليّنين ، وجعلهما آلة لنا لإحساس الملموسات واللّيّن من الخشونات ، والصلابة والرخاوة ، وفتح لنا منخرين وجعلهما لإحساس المشمومات الطيبة والروائح الجيدة . وجعل لنا فما مفتوحا فيه قوة ذائقة نتعرّف بها قوّة الطعام والطيبات من المأكولات والمشروبات .
وخلق لنا مشفرين حادّين نجمع بهما من ثمر الأشجار رطوبات لطيفة .
وعجز الطبيعيون والأطباء من اليونانيين من معرفتنا على طبائع النبات ، والاطلاع على خصائص منافعها . وخلق في جوفنا قوة جاذبة وماسكة وهاضمة وطابخة منضجة تصيّر تلك الرطوبات عسلا حلوا لذيذا ، شرابا صافيا ، غذاء لنا ولأولادنا ، وذخائر للشتاء كما جعل في ضروع الأنعام قوة هاضمة تصيّر الدم لبنا خالصا سائغا للشاربين . وجعل فضالتنا وفضالة أولادنا سببا وشفاء لأخص خلق اللّه تعالى ، إذ في تشكيلنا وتخطيطنا المسدّسات ، وترتيب الزوايا المتساويات ، جعل شفاء للأرواح الإنسانية . وفي فضالتنا وبصاقنا ولعابنا جعل شفاء للجسد الإنساني . وجعل فضالة فضالتنا وهو الشمع سببا للضياء في ظلم الليالي عوضا عن الضياء النوراني الحاصل من الشمس .
فمن أجل هذه النّعم والمواهب التي خصنا اللّه تعالى بها صرنا مجتهدين في كثرة الذكر لها ، وأداء شكرها بالتسبيح لربنا ، والتهليل والتكبير ، والتمجيد والتحميد ، آناء الليل وأطراف النهار ، والشفقة على رعيتنا وتفقّد أحوال جندنا وأعواننا وتربية أولادنا . لأنّا لهم كالرأس من الجسد ، وهم لنا كالأعضاء من البدن ، لا قوام لأحدهما إلّا بالآخر ، ولا صلاح لهما إلّا بصلاح الآخر .
رسائل إخوان الصفاء وخلان الوفاء — صفحة 303
مساهمون: إخوان الصفاء
ص٣٠٣