والحداد والنجار ، بل في دكان القصّاب أو السّمّان أو اللّبّان أو الدّبّاس ، أو في السّماد « 1 » والسرقين . فإذا خلقها اللّه تعالى من تلك العفونات ، امتصت ما فيها ، وتغذّت بها ، وصفا الهواء منها ، وسلم من الوباء . ثم تكون تلك الحيوانات الصغار مأكولة ، وأغذية لما هو أكبر منها ، وذلك من حكمة الخالق ، جل جلاله ، أنه لا يصنع شيئا بلا نفع ولا فائدة . فمن لا يعرف هذه النّعم ، فربما يعترض على ربه فيقول : لم خلقها ، وما النفع فيها ؟ كل ذلك جهلا منه واعتراضا على ربه في أحكام صنعته وتدبيره في ربوبيته . وقد سمعنا بأن جهلة الإنس يزعمون بأن عناية الباري لم تتجاوز فلك القمر ، فلو أنهم فكّروا واعتبروا أحوال الموجودات ، لعلموا وتبين لهم أن العناية شاملة لصغير الخلقة وكبيرها بالسويّة ، ولما قالوا الزور والبهتان في حق اللّه تعالى ، تعالى اللّه عما يقول الظالمون ، علا علوّا كبيرا . أقول قولي هذا ، وأستغفر اللّه لي ولكم .
فبهذا انقضى الكلام من الرسل .
فصل
ولما كان الغد وردت زعماء الحيوانات من الآفاق ، وقعد الملك لفصل القضاء ، ونادى المنادي ألا من له مظلمة ، ألا من له حكومة ، فليحضر ، فإن الحاجات تقضى لأن الملك قد جلس لفصل القضاء ، وحضرت قضاة الجن وفقهاؤها وعدولها وحكامها وحكماؤها ، وحضرت الطوائف الواردة من الآفاق من الجن والإنس والحيوانات ، فاصطفت يمنة ويسرة أمام الملك ، ودعت له بالتحية والسلام .
ثم نظر الملك يمنة ويسرة ، فرأى من أجناس الحيوانات ، واختلاف
هامش
( 1 ) السماد : السرقين برماد ، والسرقين الزبل .