ومحسوسات فانيات باليات فاسدات ، وتلك ناطقات معقولات روحانيات غير مرئيّات باقيات .
ثم قام حكيم الجنّ فخطب وحمد اللّه وأثنى عليه فقال : الحمد للّه خالق المخلوقات ، وبارئ المبروءات ، ومبدع المبدعات ، ومخترع المصنوعات ، ومقلّب الأزمان والدهور والأوقات ، ومنشئ الأماكن والجهات ، مدبّر الأفلاك ، وموكّل الأملاك ، ورافع السبع السماوات ، وباسط الأرضين المدحوّات من تحت طباق السماوات ، ومصوّر الخلائق ذوي الأوصاف المختلفات ، والألوان واللغات ، هو المنعم بأنواع العطايا وفنون الروايات ، خلق فسوّى ، وقدّر فهدى ، وأمات وأحيا . وهو بالنظر الأعلى ، وهو القريب البعيد ، بعيد من إدراك الحواس المدركات ، قريب في الخلوات من ذوي المناجاة . فسبحان الذي جعل الطيّبين للطيّبات ، وجعل الخبيثين للخبيثات . وسبحان الذي خلق المؤمنين والمؤمنات ، وأوجد المسلمين والمسلمات ، وأظهر العابدين والعابدات ، وألهم القائمين والقائمات ، وأعان الصائمين والصائمات ، وهدى التائبين والتائبات ، وأنطق الذاكرين والذاكرات ، لا تدركه الأبصار ، ولا تمثّله الأخبار . كلّت ألسن الواصفين له بكنه الصفات ، وتحيرت عقول ذوي الألباب بالفكرة في جلال عظمته ، وعزّ سلطانه ، ووضوح آياته وبرهانه . فلا القوة العقلية تدركه ، ولا القوة النطقية تصفه . وهو اللّه الواحد القهّار ، العزيز الغفّار ، الذي خلق الجانّ قبل آدم من نار السّموم أرواحا خفيّة ، وأشباحا لطفة ، صورا عجيبة ، وحركات سريعة ، تسبح في الجوّ كيف تشاء ، بلا كدر ولا عناء . وذلك من فضل اللّه علينا ، وهو الذي خلق أصناف الخلائق من الجن والإنس والملائكة والحيوانات البريّة والبحريّة ، أصنافا مختلفة الأشكال والصور ، ورتّبها أصنافا كما شاء .
فمنها ما هي مراتبها في أعلى علّيّين ، وهم الملائكة المقرّبون ، وعباده المصطفون ، خلقهم من نور عرشه فهم حملته .
رسائل إخوان الصفاء وخلان الوفاء — صفحة 277
مساهمون: إخوان الصفاء
ص٢٧٧