الأمور بمشيئته ، فجعل قوام الخلائق بعضها ببعض ، وجعل لها عللا وأسبابا ، لما رأى فيها من إتقان الحكمة ، وصلاح الكل ، ونفع العموم . ولكن ربما يعرض من جهة العلل والأسباب آفات وفساد لبعض ، لا بقصد من الخالق تعمدا ، ولكن بعلمه السابق بما يكون قبل أن يكون . ولم يمنع علمه بما يكون منها من الفساد والآفات أن يخلقها إذ كان النفع فيه أعم ، والصلاح أكثر من الفساد . بيان ذلك أن اللّه ، عز وجل ، لما خلق الشمس والقمر وسائر الكواكب ، جعل الشمس سراجا للعالم ، وحياة وسببا للكائنات بحرارتها ، ومحلّها من العالم محلّ القلب من البدن تنبثّ منه الحرارة الغريزية إلى سائر أطراف البدن التي هي سبب الحياة وصلاح الجملة .
وهكذا حكم الشمس حياة وصلاح للكل ، والنفع للعموم . ولكن ربما يعرض منها تلف وفساد لبعض الحيوانات والنبات ، فيكون ذلك مغفورا في جنب نفع العموم وصلاح الكل .
وهكذا حكم زحل والمرّيخ وسائر كواكب الفلك . خلقها لصلاح العالم ونفع العموم ، وإن كان يعرض لها في بعض الأحيان المناحس من إفراط حر أو برد .
وهكذا حكم الأمطار يرسلها اللّه لحياة البلاد ، وصلاح العباد من الحيوان والنبات والمعادن ، وإن كان ربما يكون منها فساد وهلاك لبعض الحيوانات والنبات .
وهكذا حكم الحيات والسباع والتّنين والتماسيح والهوام والحشرات والجراد ، كل ذلك خلقه اللّه من المواد الفاسدات والعفونات الكائنة ، ليصفو الجو والهوام ، ولئلا يعرض لها الفساد من البخارات المتصاعدة ، فيتعفّن الهواء ويكون من ذلك أسباب للوباء وهلاك الحيوانات كلها دفعة واحدة .
بيان ذلك أن الديدان والذّباب والبق والخنافس لا تكون في دكان البزّاز « 1 »
هامش
( 1 ) البزاز : بائع الثياب وصانعها .