علاج ولا عناء من الآفات التي تعرض للحيوانات الكبيرة الجثة ، العظيمة البنية ، الشديدة القوّة ، فسبحان اللّه الخالق الحكيم الذي كفاها هذه المطالب وهذه المئونة . وأراحها من التعب والنصب ، فله الحمد والمنّة والشكر والثناء على جزيل مواهبه وعظيم نعمائه وحسن آلائه ! فلما فرغ الصّرصر من هذه الخطبة ، قال له الثعبان ملك الهوام : بارك اللّه فيك من خطيب ما أفصحك ، ومن مذكّر ما أعلمك ، ومن واعظ ما أبلغك ! والحمد للّه الذي جعل في أجناس هذه الطائفة مثل هذا الحكيم الفاضل ، المتكلم الفصيح . ثم قال له الثعبان : امض إلى هناك ، فتنوب عن الجماعة في المناظرة مع الإنس .
قال : نعم ، سمعا وطاعة للملك ، ونصيحة للإخوان .
قالت الحية عند ذلك : لا تذكر عندهم أنك رسول الثعبان والحيات .
قال الصرصر : ولم ذلك ؟
قالت : لأن بين بني آدم وبين الحيات عداوة قديمة وحقدا كامنا ، لا يقدر قدره ، حتى إن كثيرا من الإنس يعترضون على ربهم ، فيقولون : لم خلقها ، فإنه ليس في خلقها منفعة ولا فائدة ، ولا حكمة ، بل ضرر كلّه .
قال الصرصر : ولم يقولون ذلك ؟
قالت : من أجل السّمّ الذي بين فكّيها ، فإنه ليس فيه منفعة إلا هلاك الحيوانات وموتها . كل ذلك جهل منهم بمعرفة حقائق الأشياء ومنافعها ومضارّها .
ثم قالت : لا جرم ، فإن اللّه ، جلّ ثناؤه ، أبلاهم بها ، وعاقبهم على ذلك ، حتى أحوج ملوكهم إلى اقتناء سمومها تحت فصوص الخواتم لوقت الحاجة إليها .
فلو أنهم فكروا واعتبروا أحوال الحيوانات ، وتصاريف أمورها ، لتبين لهم ذلك وعرفوا عظيم منفعة السموم في فكوك الأفاعي ، لم خلقها الباري تعالى ، وما الفائدة فيها ، ولو عرفوها ، لما قالوا ذلك ، ولا اعترضوا على ربهم في أحكام مصنوعاته ، لأن الباري تعالى لو خلق سبب هلاك الحيوانات في بصاقنا ،
رسائل إخوان الصفاء وخلان الوفاء — صفحة 272
مساهمون: إخوان الصفاء
ص٢٧٢