تخطي إلى المحتوى الرئيسي

رسائل إخوان الصفاء وخلان الوفاء — صفحة 276

مساهمون:

ص٢٧٦
الصور ، وفنون الأشكال والألوان والأصوات والنغمات ، وبقي متعجبا منه ساعة . ثم قال : سبحان الذي خلق الأشياء برحمته ، وأوجد الحيوانات بقدرته ، وجعل بعضها شريفا ، وبعضها خسيسا ، وبعضها كبير الجثة ، وبعضها صغير الجثة ، وبعضها ذا نطق ، وبعضها أخرس ؛ وجعل مقرّ بعضها في الهواء ، ومقرّ بعضها في الماء ، وبعضها في البراري والقفار والجبال والكهوف والمغارات ، ربّنا ما خلقت هذا باطلا ، سبحانك ما أعظم شأنك ! ثم التفت الملك إلى حكيم من فلاسفة الجن ، فقال له : ألا ترى هذه الخلائق العجيبة الشان من خلق الرحمن ؟ قال : نعم أيها الملك ، أراها بعين رأسي ، وأشاهد صانعها بعين قلبي ، والملك متعجب منها ، وأنا متعجب من حكمة الصانع الحكيم الذي خلقها ، وأنشأها وبرأها ، ويربّيها ويرزقها ويحفظها ، ويعلم مستقرها ومستودعها . كل ذلك في كتاب مبين عنده ، ولا لغلط ولا لنسيان ؛ بل لتحقيق وبيان ، لأنه لما احتجب عن رؤية الأبصار بحجب الأنوار ، وجلّ وعلا عن تصور الأوهام والأفكار ، أظهر مصنوعاته إلى مشاهدة الأبصار ، وأخرج ما في مكنون غيبه إلى الكشف والإظهار والبيان ، ليدركه العيان ويستغني عن الدليل والبرهان . ثم اعلم ، أيها الملك العادل ، أن هذه الصور والأشكال والهياكل والصفات التي تراها في عالم الأجسام وجواهر الأجرام ، هي مثالات وأشباه وأصباغ لتلك الصور التي في عالم الأرواح . غير أن تلك نورانيّة شفّافة ، وهذه ظلمانية كاسفة ، ومناسبة هذه إلى تلك كنسبة التصاوير والنقوش التي على وجوه الألواح وسطوح الحيطان ، إلى هذه الصور والأشكال التي عليها هذه الحيوانات من اللحم والدم والعظام والجلود . لأن تلك الصور التي في عالم الأرواح محرّكات وهذه متحركات ، والتي دون هذه ساكنات صامتات ،