لجعل لحومنا سببا لدفع تلك السموم . وذلك أن الأطباء الأقدمين قد وجدوا في لحومنا قوة تقاوم سمومنا ، فأدخلوا لحومنا في الترياق ، لتقاوم السّم ، ولكن أكثر الناس لا يشكرون .
قال الصرصر : أفدنا أيها الحكيم فائدة أخرى ، وعرّفنا لنكون على علم منها .
قالت الحية : نعم أيها الخطيب الفاضل . اعلم بأن الباري الحكيم لما خلق هذه الحيوانات التي ذكرتها في خطبتك ، وقلت إنه أعطى كل جنس منها أدوات وآلات لتجر المنفعة ، أو لتدفع المضرّة ، فأعطى بعضها معدة حارّة ، أو كرشا ، أو قانصة ، فينضح الكيموس فيها بعد المضغ الشديد ، ويصير غذاء لها ، ولم يعط الحيّات معدة حارة ، ولا قانصة ، ولا كرشا ، ولا أضراسا تمضغ اللحوم ، فإنه جعل في فكّيها عوضا منها سمّا حارّا منضجا لما تأكل من اللّحمان ، وذلك أنها إذا قبضت على جثة الحيوانات ، وحصلت بين فكّيها قلبت من ذلك السم عليها لمضغها من ساعتها ، وتبلعها وتزدردها وتستمرئها . فلو لم يكن هذا السم لما استمرأت الأكل ، ولا حصل لها غذاء ، ولماتت جوعا وضرّا ، وهلكت عن آخرها ، وما بقي أحد منها في ديار .
قال الصرصر : لعمري ، قد تبين لي منفعة السم ، فما منفعة الحيات للحيوان ، وما الحكمة والفائدة في خلقتها وكونها في الأرض بين الهوامّ ؟
قالت : كمنفعة السباع وكونها بين الوحوش والأنعام والبهائم ، وكمنفعة كون التّنّين في البحر ، والكواسج « 1 » والتماسيح ، وكمنفعة النسور والعقبان والجوارح في الطيور .
قال الصرصر : زيديني بيانا ! قالت : نعم ، إن اللّه ، جل ثناؤه ، أبدع الخلق واخترعه بقدرته ، ودبر
هامش
( 1 ) الكواسج : جمع كوسج ، وهو سمك خرطومه كالمنشار .