قد ألبسه اللّه من الجلود الثخينة الجزلة ، كالسّلحفاة والسرطان والحلزون وذوات الأصداف من حيوان البحر . ومنها ما تدفع المكاره والضرر عن نفسها بإدخال رءوسها تحت أبدانها كالقنفد .
أما فنون تصاريفها في طلب المعايش والمنافع ، فمنها ما يصل إليه ويهتدي إليه بجودة النظر وشدّة الطيران كالنسور والعقبان . ومنها بجودة الشم كالنمل والجعلان « 1 » والخنافس وغيرها . ومنها ما يهتدي ويصل إليه بجودة الذوق كالسمك وغيرها من حيوان الماء . ومنها بجودة الاستماع والأوصاف كالنسر .
ولما منع الباري الحكيم هذه الطوائف والحيوانات الصغار الجثة ، الضعاف القوى والبنية ، القليلة الحيلة هذه الآلات والأدوات والحواسّ وجودتها ، لطف بها وكفاها مؤونة الطلب وأسباب الهرب ، وذلك أنه جعلها في مواضع كنينة وأماكن حريزة ، إما في الثّقاب ، وإما في حب النبات ، وإما في أجواف الحيوانات الكبار ، أو في الطين أو في السّرقين ؛ وجعل غذاءها مختصّا بها ، وموادّها حواليها ، وجعل في أبدانها قوى جاذبة تمتص بها الرطوبات المغذّية لأبدانها ، المقوّية لأجسادها ؛ ولم يحوجها إلى الطلب ولا إلى الهرب .
فمن أجل هذا لم يخلق لها رجلين تمشي ، ولا يدين تتناول ، ولا فما يفتح ، ولا أسنانا تمضغ ، ولا حلقوما يبلع ، ولا مريّا « 2 » يزدرد ، ولا حوصلة تنقع فيها ، ولا قانصة ولا معدة ولا كرشا ينطبخ الكيموس فيها ، ولا أمعاء ولا مصارين للثقل ، ولا كبدا تصفّي الدم ، ولا طحالا تجذب فضلات الكيموس « 3 » الغليظة ، ولا مرارة تجذب اللطيفة ، ولا كليتين ولا مثانة تجذب البول ، ولا أورادا يجري الدم فيها للنبض ، ولا أعصابا من الدماغ للحس ، ولا تعرض لها الأمراض المزمنة ، والعلل المؤلمة ، ولا تحتاج إلى دواء ولا
هامش
( 1 ) الجعلان : جمع جعل ، وهو خنفسه سوداء ، مغمدة الأجنحة .
( 2 ) المري : العرق الذي يمتلئ ويدرّ باللبن .
( 3 ) الكيموس : الحالة التي يكون عليها الطعام بعد فعل المعدة فيه .