فانظر أيها الملك وتأمّل واعتبر أحوالها ، فإنك ترى ما كان أصغر منها جثّة ، وأضعف بنية ، وأقل حيلة ، كان أروح بدنا ، وأربط جأشا ، وأسكن روعا في دفع المكاره عن غيرها ، وكان أطيب نفسا ، وأقلّ اضطرابا . في طلب المعاش وجرّ المنافع ، وأخفّ مؤونة مما هو أعظم جثة ، وأقوى بنية ، وأكثر حيلة .
بيان ذلك أنك ترى إذا تأملت ، وجدت الكبار منها ، القوية البنية ، الشديدة القوّة ، تدفع عن نفسها المكاره بالقهر والغلبة والقوّة والجلد ، كالسباع والفيلة والجواميس وأمثالها ، وسائر الحيوانات الكبيرة الجثة ، العظيمة الخلقة ، الشديدة القوّة . فمنها ما تدفع عن نفسها المكاره والضّرر بالفرار والهرب وسرعة العدو ، كالغزلان والأرانب وغيرها من حمر الوحش . ومنها بالطيران والتخلّف بالجو ، كالطيور . ومنها بالغوص في الماء والسباحة فيه .
ومنها ما تدفع المكاره والمضار بالتحصن والاختفاء في الأحجرة والثّقب ، كالفأرة والنمل كما قال تعالى :
« ادْخُلُوا مَساكِنَكُمْ لا يَحْطِمَنَّكُمْ سُلَيْمانُ وَجُنُودُهُ وَهُمْ لا يَشْعُرُونَ »
وقيل : لما سمع سليمان ، عليه السلام ، ذلك ، أمر بإحضار النملة . فلما دخلت قالت : سلام عليك يا نبي اللّه ، اني وقعت فيما احترزت منه . فتعجّب سليمان من قولها . فلما وضعها على كفه ، سأل النملة : لما ذا قلت ليحطمنّكم سليمان وجنوده ؟ ألست تدرين أني لا أظلم أحدا ، ولا أرضى أن تظلم جنودي ؟ فلو سمعت من هذا شيئا فأخبريني . ولما ذا قلت إني وقعت فيما احترزت منه ، ألست تعلمين أني لست بجائر ولا ظالم على خلق اللّه تعالى ، فلم قلت هذا ؟
قالت النملة : معاذ اللّه انّي أريد بتلك الإشارات حسبما فهمت ، لكني أريد بذلك أن اللّه أعطاك ملكا لا يكون لأحد من بعدك من الزينة والعدل والانصاف ، وناديت من أجل أنهم لا يخرجون من البيوت ولا يشتغلون بالنظارة ، ليفوت عنهم ذكر اللّه تعالى . أردت بذلك الإشارة إلى هذا المعنى . ومنها ما