بوحدانيته وأسرار غيبه ، حين لا سماء مبنيّة ، ولا أرض مدحيّة . فسبحان الظاهر بالنسبة إلى ذاته لكل شيء ، والخفيّ بالنسبة إلى ذاته عن كلّ شيء .
ثم قضى ودبّر ، وقدّر كما شاء قدّر ، وأراد ثم أبدع نورا بسيطا لا من هيولى متهيئة ، ولا من صورة متوهّمة ، بل بقوله : كن فكان ، فهو العقل الفعّال ذو العلم والأسرار ، خلق الخلائق لا لوحشة كانت في وحدته ، ولا لاستعانة بها على أمر من أموره ، ولكن يفعل ما يشاء ، ويحكم ما يريد ، لا معقّب لحكمه ، ولا مردّ لقضائه ، وهو السريع الحساب .
ثم قال : أيها الملك المشفق الرحيم ، الرؤوف المتحنن على هذه الطوائف ، لا يغمّك ما ترى من ضعف أبدان هذه الطوائف ، وصغر جثتها وعمرها ، وفقرها وقلّة حيلتها ، فإن اللّه الذي هو خالقها ورازقها هو أرحم الراحمين بها وعليها من الوالدة المشفقة على أطفالها ، ومن الأب الرحيم على أولاده ، وذلك أن الخالق ، جلّ ثناؤه ، لما خلق الحيوانات المختلفة الصورة مفنّنة الأشكال ، ورتبها مراتبها على منازل شتى ما بين كبير الجثة ، عظيم الخلقة ، قوي البنية ، شديد القوة ؛ وما بين صغير الجثة ، ضعيف البنية ، قليل الحيلة ، ساوى بينهما في المواهب الجزيلة من الآلات والأدوات التي تتناول بها المنافع ، وتدفع بها المضرّات ، فصارت متكافئة في العطية ، مثال ذلك أنه لما أعطى الفيل الجثة العظيمة ، والبنية القوية ، والقوة الشديدة ، ليدفع المكاره عن نفسه بأنيابه الطوال الصلاب ، ويتناول المنافع بخرطومه الطويل ، أعطى أيضا البقّة الصغيرة الجثة الضعيفة البنية عوضا من ذلك ، الجناحين اللطيفين ، وسرعة الطيران ، فتنجو من المكاره وتتناول الغذاء بخرطومها ، فصار الصغير والكبير في هذه المواهب التي تجرّ بها المنفعة وتدفع بها المضرة ، متساوية .
فهكذا ثمر الخالق الباري ، والمصوّر لهذه الطوائف الضعفاء الفقراء ، اللواتي تراها عراة حفاة حسرى . وذلك أن الباري ، جلّ ثناؤه ، لما خلقها على هذه الأحوال التي تراها ، كفاها أمر مصالحها من جر المنفعة ، أو دفع المضرّة عنها .
رسائل إخوان الصفاء وخلان الوفاء — صفحة 269
مساهمون: إخوان الصفاء
ص٢٦٩