تخطي إلى المحتوى الرئيسي

رسائل إخوان الصفاء وخلان الوفاء — صفحة 268

مساهمون:

ص٢٦٨
متفكرا في أمرها . ثم قال الثعبان لوزيره الأفعى : من ترى يصلح من هذه الطوائف أن نبعثه هناك للمناظرة ، فإن أكثرها صمّ بكم عمي ، بلا يدين ولا رجلين ، ولا جناحين ، ولا منقار ، ولا مخلب ، ولا ريش على أبدانها ، ولا شعر . ولا وبر ولا صوف ولا فلوس . وإن أكثرها عراة حفاة حسرى ، ضعفاء فقراء ، مساكين بلا حيلة ، ولا حول ولا قوة . وأدركته رحمة عليها وتحنّن وشفقة ورأفة ، ورقّ قلبه عليها ، ودمعت عيناه من الحزن . ثم نظر إلى السماء ، ثم دعا وقال في دعائه : يا خالق الخلق ، ويا باسط الرزق ، ويا مدبر الأمور ، ويا أرحم الراحمين ، ويا من هو بالمنظر الأعلى ، ويا من هو يسمع ويرى ، ويا من يعلم السر وأخفى ، أنت خالقها ورازقها ، وأنت مصورها ومدبرها ، ومبدئها ومعيدها ، ومحييها ومميتها ؛ كن لها ولنا وليّا وحافظا وناصرا ومعينا وهاديا ومرشدا ، يا أرحم الراحمين ، ويا رب العرش العظيم . فنطقت كلها بلسان فصيح ، وقالت : آمين آمين ، ربّ العالمين .

فصل في بيان خطبة الصرصر وحكمته

فلما رأى الصّرصر ما أصاب الثعبان من التحنّن والرأفة والرحمة على رعيته وجنوده وأعوانه وأبناء جنسه ، ارتقى إلى حائط بالقرب منه ، وحرّك أو تارة ، وزمر بمزماره ، وترنم بأصوات وألحان ، ونغمة لذيذة بالتحميد للّه والتوحيد له ، فقال : الحمد للّه نحمده ونستعينه ونشكره على نعمائه السابغة وآلائه الدائمة ، فسبحان اللّه الحنّان المنّان الديّان ؛ سبحان الواحد الأحد ، سبّوح قدّوس ، رب الملائكة والروح الحي القيّوم ، ذو الجلال والإكرام والأسماء العظام ، والآيات والبرهان ، قبل الأماكن والأزمان ، والجواهر ذوات الكيان ، لا هواء فوقه ولا ماء تحته ، محتجبا بنوره ، متوحدا