فصل في بيان تبليغ الرسالة
ثم بعد ذلك رتّبوا الرّسل ، وبعثوا إلى كل واحد منهم . فلما وصل الرسول إلى أبي الحرث الأسد ملك السباع ، وعرّفه الخبر ، وقال له إن زعماء البهائم والأنعام مجتمعون مع زعماء الإنس عند ملك الجن للمناظرة ، وقد بعثوا إلى سائر أجناس الحيوانات يستمدّون منها ، وبعثوني إليك لترسل معي زعيما من جنودك من السّباع ليناظر ولينوب عن الجماعة من أبناء جنسه ، إذا دارت النّوبة في الخطاب إليه .
فقال الملك للرسول : وما ذا يزعم الإنس وما يدّعون على البهائم والأنعام ؟
قال الرسول : يزعمون أنها عبيد لهم وخول ، وأنهم أرباب لها ولسائر أجناس الحيوانات التي على وجه الأرض .
قال الأسد : وبما ذا يفتخر الإنس عليها ويستحقّون الربوبية ؟ أبالقوة والشجاعة والجسارة ، أم بالحملات والوثبات ، أم بالقبض والإمساك بالمخالب ، أو بالقتال والوقوف في الحرب ، أم بالهيبة والغلبة ؟ فإن كانوا يفتخرون بواحدة من هذه الخصال جمعت جنودي ، ثم ذهبنا حتى نحمل عليهم حملة واحدة ، ونفرّق جمعهم ونشتّت شملهم .
قال الرسول : لعمري إن من الإنس من يفتخر بمثل هذه الخصال التي ذكرها الملك ، ولهم مع ذلك أعمال وصنائع وحيل ومرافق ومكايد لاتخاذ السلاح من السيوف والرّماح الرّدينيّات والحواب والسكاكين والنّشّاب والقسيّ والجنن ، والاحتراز من مخالب السباع وأنيابها باتّخاذ لباس اللّبود والجواشن والفرغندات والدّروع والخوذ والزّرد مما لا تنفذ فيها أنياب السباع ولا تصل إليها مخالبها . ولهم ، مع ذلك ، حيل أخرى في أخذ السباع والوحوش من الخنادق المحفورة والزّبيات « 1 » المستورة ،
هامش
( 1 ) الزبيات : جمع زبية ، وهي حفرة تحفر لصيد الأسد .