فصل في بيان جودة الحواس في الحيوانات
وأما الذي ذكرته من جودة حواسّكم ودقّة تمييزكم ، وافتخرتم به علينا ، فليس ذلك لكم خاصّة دون غيركم من الحيوانات ، لأن فيها ما هو أجود حاسّة منكم وأدق تمييزا ؛ فمن ذلك الجمل ، فإنه ، مع طول قوائمه ورقبته وارتفاع رأسه من الأرض في الهواء ، يبصر ويرى موضع قدميه ، في الطرقات الوعرة والمسالك الصّعبة في ظلم الليل ، ما لا يرى ولا يبصر أحدكم إلّا بسراج أو مشعل أو شموع . وترى الفرس الجواد يسمع وطء الماشي من البعد في ظلمة الليل ، حتى إنه ربما نبّه صاحبه من نومه بركضة « 1 » رجليه حذرا عليه من عدوّ أو سبع ، وهكذا نجد كثيرا من الحمير والبقر إذا سلك بها صاحبها طريقا لم يسلكها قبل ، خلّاها ، ثم رجعت إلى مكانها ومعقلها وموضعها المألوف فلا تتيه . وقد يوجد من الإنس من قد يسلك طريقا دفعات ، ثم إنه يضلّ فيه ويتيه ، ونجد من الغنم والشاء ما يلد منها في ليلة واحدة عددا كثيرا ، وتسرح من الغد إلى الرّعي وتروح بالعشي ، وتخلّى من الوثاق مائة من البهائم وأكثر ، فيذهب كلّ واحد إلى أمه لا يشكل عليها أمهاتها ولا تشتبه ، وكذلك أولادها على أمّهاتها . والإنسيّ ربما يمرّ به الشهر والشهران أو أكثر وهو لا يعرف والدته من أخته ، ولا والده من أخيه ، فأين وجود الحاسّة ودقّة التمييز الذي ذكرته وافتخرت به علينا أيها الإنسي ؟
وأما الذي ذكرته من رجحان العقول فلسنا نرى له أثرا أو علامة ، لأنه لو كان لكم عقول راجحة لما افتخرتم علينا بشيء ليس هو من أفعالكم ، ولا اكتساب منكم ، بل هي مواهب من اللّه ، جلّ ذكره ، لتعرفوا مواقع النّعم
هامش
( 1 ) ركضة الرجلين : تحريكهما .