ذكر بأنّا نطعمها ونسقيها ونكسوها ، وما ذكره من سائر ما يفعلون بنا ، فليس ذلك لشفقة علينا منهم ، ولا رحمة لنا ولا تحنّنا علينا ولا رأفة بنا ، بل مخافة أن نهلك فيخسروا أثماننا وتفوتهم المنافع منا من شرب ألباننا ، ودثارهم من أصوافنا وأوبارنا وأشعارنا ، وركوبهم ظهورنا وحملهم أثقالهم علينا ، لا شفقة ولا رحمة كما ذكر .
ثم تكلم الحمار فقال الحمار : أيها الملك لو رأيتنا ونحن أسارى في أيدي بني آدم ، موقرة ظهورنا بأثقالهم من الحجارة والآجرّ والتراب والخشب والحديد وغيرها ، ونحن نمشي تحتها ونجهد بكدّ وعناء شديد ، وبأيديهم العصا والمقارع يضربون وجوهنا وأدبارنا بحنق وعنف وضجر وصخب لرحمتنا ورثيت لنا وبكيت علينا أيها الملك ؛ فأين الرحمة وأين الشفقة والرأفة منهم علينا كما زعم هذا الإنسي ؟
ثم تكلم الثور فقال : لو رأيتنا ، أيها الملك ، ونحن أسارى في أيدي بني آدم ، مقرّنين في فدّانهم ، مشدودين في دواليبهم وأرحيتهم ، مغطّاة وجوهنا ، مشدودة أعيننا ، وهم يضربوننا مع ذلك ، لرحمتنا ورثيت لنا وبكيت علينا ؛ فأين الرحمة والشفقة والرأفة منهم علينا كما زعم هذا الإنسي ؟
ثم تكلم الكبش فقال : أيها الملك ، لو رأيتنا ، ونحن أسارى في أيدي بني آدم ، يأخذون صغار أولادنا من الجدي والحملان ، فيفرّقون بينها وبين أمّهاتها ، ليستأثروا بألباننا لأولادهم ، ويجعلوا أولادنا مشدودة أرجلها وأيديها ، محمولة إلى المذابح والمسالخ ، جائعة عطشانة ، تصيح فلا ترحم ، وتصرخ وتستغيث فلا تغاث ، ثم نراها مذبوحة مسلوخة مشقوقة أجوافها ، مفرّقة أعضاؤها ورءوسها وكروشها ومصارينها وأكبادها في دكاكين القصّابين ، مقطّعة بالسواطير ، مطبوخة في القدور ، مشويّة في التّنور ، ونحن سكوت لا نبكي ولا نشكو ، وإن شكونا أو بكينا لم نرحم ؛ فأيّة رحمة وأيّة رأفة لهم علينا كما زعم هذا الإنسي ؟
رسائل إخوان الصفاء وخلان الوفاء — صفحة 215
مساهمون: إخوان الصفاء
ص٢١٥