قال : ليس شيء مما قال بدليل على ما ادّعى هذا الإنسيّ .
قال الملك : أليس انتصاب القيام واستواء الجلوس من شيم الملوك ، وانحناء الأصلاب والانكباب على الوجوه من صفات العبيد ؟
قال الزعيم : وفّقك اللّه أيها الملك للصواب وصرف عنك سوء الأمور ، استمع لما أقول :
اعلم بأن اللّه ، جلّ ثناؤه ، ما خلقهم على تلك الصورة ولا سوّاهم على هذه البنية لتكون دلالة على أنهم أرباب ، ولا خلقنا على هذه الصورة وسوّانا على هذه البنية لتكون دلالة على أننا عبيد ، ولكن لعلمه واقتضاء حكمته بأن تلك البنية هي أصلح لهم وهذه أصلح لنا .
فصل في بيان علة اختلاف صور الحيوانات
بيان ذلك أن اللّه ، عز وجل ، لما خلق آدم وأولاده عراة بلا ريش على أبدانهم ، ولا وبر ولا صوف على جلودهم يقيهم من الحرّ والبرد ، وجعل أرزاقهم من ثمر الأشجار ، ودثارهم من أوراقها ، وكانت الأشجار منتصبة في جو الهواء ، جعل أيضا قامتهم منتصبة ليسهل عليهم تناول الثمر والورق منها ، وهكذا لما جعل أرزاقنا من حشيش الأرض ، جعل بنية أبداننا منحنية ليسهل علينا تناول العشب من الأرض ، فلهذه العلة جعل صورهم منتصبة وصورنا منحنية ، لا كما توهموا .
فقال الملك : ما تقولون في قول اللّه ، عز وجل «
لَقَدْ خَلَقْنَا الْإِنْسانَ فِي أَحْسَنِ تَقْوِيمٍ
» ؟
قال الزعيم : إن للكتب النبويّة تأويلات وتفسيرات غير ما يدلّ عليه ظاهر ألفاظها ، يعرفها العلماء الراسخون في العلم ، فليسأل الملك أهل الذّكر .
قال الملك لحكيم الجن : ما معنى قوله : «
فِي أَحْسَنِ تَقْوِيمٍ
» ؟