ما العلّة في طول رقبة الجمل ؟ قال : ليكون مناسبا لطول قوائمه لينال الحشيش من الأرض ، ويستعين به على النهوض بحمله ، وليبلغ مشفره إلى سائر أطراف بدنه فيحكّها .
وأما خرطوم الفيل فعوض عن طول الرقبة ، وكبر أذنيه ليذبّ البقّ والذّباب عن مآقي عينيه وفمه ، إذ كان فمه مفتوحا أبدا لا يمكنه ضمّ شفتيه لخروج أنيابه منه ، وأنيابه سلاح له يمنع بها السباع عن نفسه .
وأما كبر أذن الأرنب فهو من أجل أن تكون دثارا له ووطاء وغطاء في الشتاء والصيف ، لأنه رقيق الجلد ترف البدن . وعلى هذا القياس نجد كلّ حيوان جعل اللّه ، عز وجل ، له من الأعضاء والمفاصل والأدوات بحسب حاجته إليه لجرّ المنفعة أو دفع المضرة . وإلى هذا المعنى أشار موسى ، عليه السلام ، بقوله : «
رَبُّنَا الَّذِي أَعْطى كُلَّ شَيْءٍ خَلْقَهُ ثُمَّ هَدى
» .
وأما الذي ذكرت ، أيها الإنسيّ ، من حسن الصورة وافتخرت به علينا ، فليس فيه شيء من الدّلالة على ما زعمت بأنكم أرباب ونحن عبيد . فإذا كان حسن الصورة شيئا مرغوبا فيه عند أبناء الجنس من الذكور والإناث ليدعوهم ذلك إلى الجماع والسّفاد والنّتاج والتناسل لبقاء النسل ، فإننا لا نرغب في محاسن إناثنا ، ولا إناثنا في محاسن ذكراننا ، كما لا يرغب السود في محاسن البيض ، ولا البيض في محاسن السود ، وكما لا يرغب اللّوّاط في محاسن الجواري ، ولا الزّناة في محاسن الغلمان ، فلا فخر لكم علينا بمحاسن الصور أيها الإنسي .