تخطي إلى المحتوى الرئيسي

رسائل إخوان الصفاء وخلان الوفاء — صفحة 214

مساهمون:

ص٢١٤
وتشكروا له ولا تعصوه ، وإنما العقلاء يفتخرون بأشياء هي أفعالهم من الصنائع المحكمة والآراء الصحيحة والعلوم الحقيقية والمذاهب المرضيّة والسّنن العادلة والطرق المستقيمة ، ولسنا نراكم تفتخرون بشيء منها غير دعوى بلا حجّة ، وخصومة بلا بيّنة .

فصل في بيان شكاية الحيوان من جور الانس

قال الملك للإنسيّ : قد سمعت الجواب ، فهل عندك شيء غير ما ذكرت ؟ قال : نعم أيها الملك ، هنالك مسائل أخر ومناقب غير ما ذكرت تدلّ على أنّا أرباب وهم عبيد لنا ؛ فمن ذلك بيعنا وشراؤنا لها ، وإطعامنا وسقيانا لها إذا مرضت ، ونكسوها ونكفيها من الحر والبرد ، وندفع عنها السّباع أن تفترسها ، ونداويها إذا مرضت ، وننفق عليها إذا اعتلّت ، ونعلّمها إذا جهلت ، ونخلّيها إذا أعيت ، ونعرض عنها إذا جنت ، كلّ ذلك إشفاقا عليها ورحمة لها وتحنّنا عليها ، وكلّ هذا من أفعال الأرباب بعبيدها والموالي بخولها . قال الملك للزعيم : قد سمعت ما ذكر ، فأيّ شيء عندك أجب . قال زعيم البهائم : أما قوله إنّا نبيعها ونشتريها ، فهكذا يفعل أبناء فارس بأبناء الروم وأبناء الروم بأبناء فارس ، إذا ظفر بعضهم ببعض ، أفترى أيّهم العبيد وأيّهم الموالي والأرباب ؟ وكذلك يفعل أبناء الهند بأبناء السّند وأبناء السند بأبناء الهند ، فأيّهم الموالي وأيّهم العبيد ؟ وهكذا يفعل أبناء الحبشة بأبناء النّوبة وأبناء النوبة بأبناء الحبشة ؛ وكذلك يفعل أبناء الأعراب والأكراد والأتراك بعضهم ببعض ، فأيّهم ، ليت شعري ، العبيد ، وأيّهم الموالي بالحقيقة ؟ وهل هي أيها الملك العادل إلّا دول ونوب تدور بين الناس بموجبات أحكام النجوم والقرانات ، كما ذكر اللّه تعالى ذلك : «
وَتِلْكَ الْأَيَّامُ نُداوِلُها بَيْنَ النَّاسِ
وَما يَعْقِلُها إِلَّا الْعالِمُونَ
. » وأما الذي