تخطي إلى المحتوى الرئيسي

رسائل إخوان الصفاء وخلان الوفاء — صفحة 211

مساهمون:

ص٢١١
قال : في اليوم الذي خلق فيه آدم كانت الكواكب في أشرافها ، وأوتاد البروج قائمة ، والزمان معتدلا كثير الموادّ . وكانت متهيّئة لقبول الصّور ، فجاءت بنيته في أحسن صورة وأكمل هيئة . قال الملك : وكفى بهذه الفضيلة كرامة وافتخارا ! قال الحكيم : إن لها معنى غير ما ذكر وتبيّن ذلك بقوله : «
فَعَدَلَكَ فِي أَيِّ صُورَةٍ ما شاءَ رَكَّبَكَ
» يعني لم يجعلك طويلا دقيقا ، ولا قصيرا لزيقا ، بل ما بين ذلك . فقال زعيم البهائم : ونحن كذلك فعل بنا أيضا ، لم يجعلنا طوالا ولا دقاقا ولا قصارا ولا صغارا ، بل بين ذلك . فنحن وهم في هذه الصورة والفضيلة والكرامة بالسويّة . فقال الإنسيّ لزعيم البهائم : من أين لكم اعتدال القامة واستواء البنية وتناسب الصورة ، وقد نرى الجمل عظيم الجثة ، طويل الرّقبة ، صغير الأذنين ، قصير الذنب ، ونرى الفيل عظيم الخلقة ، طويل النابين ، واسع الأذنين ، صغير العينين ، ونرى البقر والجاموس طويل الذنب ، غليظ القرون ليس له أنياب من فوق ؛ ونرى الكبش عظيم القرنين ، كبير الألية ليس له لحية ، والتيس طويل اللحية ليس له ألية ، مكشوف العورة ، ونرى الأرنب صغير الجثة ، كبير الأذنين ، وعلى هذا المثال والقياس نجد الحيوانات والسّباع والوحوش والطيور والهوامّ مضطربات البنية غير متناسبة الأعضاء . فقال زعيم البهائم : هيهات ! ذهب عليك ، أيها الإنسيّ ، أحسنها ، وخفي عليك أحكمها . أما علمت أنك لمّا عبت المصنوع فقد عبت الصانع ؟ أولا ترى وتعلم بأن هذه كلّها مصنوعات الباري الحكيم خلقها بحكمته لعلل وأسباب وأغراض لجرّ المنفعة إليها ودفع المضرّة عنها ، ولا يعلم ذلك إلّا هو والراسخون في العلم ؟ قال الإنسيّ : فخبّرنا أيها الزعيم ، إذا كنت حكيم البهائم وخطيبها ،
رسائل إخوان الصفاء وخلان الوفاء — صفحة 211 | إخوان الصفاء