وقطع المفاصل ونتف الريش وجزّ الشعر والوبر ، ثم نار الطبخ والوقد والتشويه وألوان من العذاب ما لا يبلغ الوصف كنهها .
ومع هذه الأحوال كلّها لا يرضى منا هؤلاء الآدميّون ، حتى ادّعوا علينا أن هذا حق واجب لهم علينا ، وأنهم أرباب لنا ونحن عبيد لهم ، فمن هرب منا فهو آبق عاص تارك الطاعة ، كلّ هذا بلا حجّة لهم علينا ولا بيان ولا برهان إلّا القهر والغلبة .
فلما سمع الملك هذا الكلام وفهم هذا الخطاب ، أمر مناديا فنادى في مملكته ، ودعا الجنود والأعوان من قبائل الجن من بني ساسان وبني خاقان وأولاد شيصبان ، والقضاة العدول والفقهاء من آل إدريس وبني بلقيس ، وقعد لفصل القضاء بين زعماء الحيوانات والجدليّين من الإنس .
ثم قال لزعماء الإنس :
ما تقولون فيما تحكي هذه البهائم والأنعام من الجور وما يشكون من الظّلم والتعدّي منكم ؟
فقال زعيم الإنس : نقول إن هؤلاء عبيد لنا ونحن مواليها ، ولنا أن نتحكّم عليها تحكّم الأرباب ، ونتصرّف فيها تصرّف الملّاك كيف شاء .
فمن أطاعنا فطاعته للّه ، ومن عصانا وهرب فمعصيته للّه .
فقال الملك للإنسيّ : إن الدعاوي لا تصحّ عند الحكام إلا بالبيّنات ، ولا تقبل إلّا بالحجّة الواضحة فيما قلت وادّعيت .
فقال الإنسيّ : إن لنا حججا عقليّة ودلائل فلسفية تدلّ على صحة ما قلنا .
قال الملك : ما هي ؟ بيّنها لنعلمها . قال : نعم ، حسن صورتنا ، وتقويم بنية هيكلنا ، وانتصاب قامتنا ، وجودة حواسّنا ، ودقّة تمييزنا ، وذكاء نفوسنا ، ورجحان عقولنا . كل هذا يدلّ على أنّا أرباب وهم عبيد لنا .
فقال الملك لزعيم البهائم : ما تقولون فيما قال الإنسيّ ؟
رسائل إخوان الصفاء وخلان الوفاء — صفحة 209
مساهمون: إخوان الصفاء
ص٢٠٩