ومن أجلنا ، وهي عبيد لنا ونحن أربابها ، وأستغفر اللّه لي ولكم .
فقال الملك : قد سمعتم يا معشر البهائم والأنعام ما قال الإنسيّ من آيات القرآن ، فاستدلّ بها على دعواه ، فأيّ شيء لكم وعندكم فيما قال ؟
فقام عند ذلك زعيمها وهو البغل فقال :
الحمد للّه الواحد الأحد الفرد الصّمد القديم السّرمد الذي كان قبل الأكوان بلا زمان ولامكان . ثم قال : كن فكان نورا ساطعا أظهره من مكنون غيبه . ثم خلق من النور بحرا من النار أجاجا « 1 » ، وبحرا من الماء رجراجا ، ذا أمواج . ثم خلق من الماء والنار أفلاكا ذوات أبراج ، وشهابا وهّاجا ، والسماء بناها ، والأرض دحاها ، والجبال أرساها ، وجعل أطباق السماوات مسكن العلّيّين ، وفسحة الأفلاك مسكن الملائكة المقرّبين ، والأرض وضعها للأنام ، وهو النبات والحيوان ، ثم خلق الجانّ من نار السّموم ، وخلق الإنسان من طين ، ثم جعل نسله من سلالة من ماء مهين في قرار مكين ، وجعل ذريّته في الأرض يخلفون ليعمروها ولا يخرّبوها . ويحفظون الحيوانات وينتفعون بها ، ولا يظلمونها ولا يجورون عليها ، أستغفر اللّه لي ولكم .
ثم قال : ليس في شيء مما قرأ هذا الإنسيّ من آيات القرآن ، أيها الملك ، دلالة على ما زعم أنهم أرباب ونحن عبيد لهم ، إنما هي آيات تذكار بإنعام اللّه عليهم وإحسانه ، فقال لهم : سخّرها لكم ، كما قال : سخّر الشمس والقمر والسّحاب والرياح ، أفترى أيها الملك بأنها عبيد لهم ومماليك ، وأنهم أربابها ؟
واعلم أيها الملك بأنّ اللّه خلق كل ما في السماوات والأرض ، وجعلها مسخّرة بعضها لبعض ، إما لجرّ منفعتها إليها ، أو دفع مضرّتها ، فسخّر
هامش
( 1 ) الأجاج : الملتهب ، ذكره الأساس .