المعدنية البازهر وهو جوهر ليّن أملس ، مختلف الألوان ، وأصله كان رطوبة هوائية دهنية جمدت في معدنه بطول الزمان ، وهو حجر شريف تظهر منه أفعال كريمة ، وذلك أنه ينفع من السموم القاتلة حارّة كانت أو باردة ، حيوانيّة كانت أو نباتية أو معدنيّة تلك السموم ، ونحتاج أن نزيد في شرح هذا الباب إذ كانت عقول الناس قد تحيّرت في كيفيّة أفعال السّمومات والتّرياقات والبازهرات في الأجسام الطبيعية ، لأنها أجسام جامدات ، وقد قام البرهان على أن الجسم لا فعل له من حيث هو جسم ، ولا العرض له فعل أيضا لأنه أعجز من الجسم بكثير ، فيجب أن نذكر أولا كيفيّة الأفعال التي تظهر من هذه الأجسام بعضها من بعض ، ثم نبيّن من الفاعل بالحقيقة لها وفيها ومنها وبها . أما السموم فنوعان حارّة وباردة ، فالباردة منها تجمّد الدم والرطوبات الروحانية اللطيفة التي في أعضاء الحيوان ، التي بها صحّة المزاج وقوام الحياة . والحارة منها تذوّب الدّم وتلك الرطوبات وتطيّرها ، فتفنى ويذوب بدن الحيوان مع ذوبانها فيهلك . فأما دبيب السموم الحارّة في أبدان الحيوانات فمثل دبيب لون الزّعفران إذا وقع في الماء صبغه في لحظة ؛ وأما الباردة منها فهي مثل فعل الإنفحة « 1 » إذا وقعت في اللبن الحليب جمّدته في أقرب مدة . وأما دبيب البازهرات والتّرياقات المضادّة أفعالها لأفعال تلك السموم فهو مثل فعل الحموضات إذا وقعت على صبغ الزّعفران غسلته من ساعتها ، ومنعته أن يذوب إذا بودر بها . وأما ما الفاعل المحرّك لهذه الأجسام ، فهو قوة روحانية من قوى النفس الكليّة الفلكيّة السارية في جميع الأجسام من لدن فلك القمر إلى منتهى مركز الأرض ، وهي المسمّاة الطبيعة . فهذه الأجسام الجزئيّات من الحيوان والنبات والمعادن هي
هامش
( 1 ) الإنفحة وقد تشدد الحاء ، وقد تكسر الفاء : شيء يستخرج من بطن الجدي الرضيع قبل أن يطعم غير اللبن ، فيعصر في صوفة مبتلة في اللبن فيغلظ كالجبن ، فإذا أطعم الجدي غير اللبن سمي هذا الشيء كرشا .